الخيطان يكتب: كيف أصبح الأردنيون بهذه القسوة؟!
فهد الخيطان
يقول الباحثون والخبراء في الشأن الاجتماعي إن مستوى الجرائم العائلية ومظاهر العنف الأسري في الأردن يقع ضمن معدلاته الطبيعية مقارنة بالسنوات السابقة، وكذلك مقارنة بدول أخرى في العالم. وتدعم البيانات الرسمية السنوية عن معدلات الجريمة مثل هذه الأقوال.
لكن ما لا ترصده الأرقام والدراسات الإحصائية هو ما يشد الانتباه، وأعني هذا القدر من القسوة، حتى لا أقول الوحشية، في الجرائم العائلية. ويتساءل المرء مع نفسه بمرارة: كيف أصبح الأردنيون بهذه القسوة؟!
إن نوعية الجرائم المرتكبة تبرر طرح هذا السؤال؛ فعندما يُقدم أب على قتل أطفاله بدم بارد، وفتى على ذبح والدته، وأب على قتل ابنه، ورجل على قتل زوجته ومن معها في موقع العمل دون رحمة، يغدو السؤال مشروعًا، ويفرض نفسه على طاولة البحث المعمق.
وليس كافيًا القول إن مستوى الجرائم يقع ضمن معدلاته الطبيعية، على أهمية ذلك؛ فالأهم هو كيف وصل الحال بأشخاص يعيشون بيننا بصورة طبيعية إلى هذا المستوى من التوحش الذي يدفعهم إلى ارتكاب جرائم بحق أعز الناس إليهم في هذه الحياة.
نعرف أن "حارتنا"، التي نصف بها اختصارًا مجتمعنا الأردني، لم تعد صغيرة، فقد أصبحت كبيرة، يعيش فيها الملايين من الأردنيين وغيرهم من مختلف الجنسيات. ونعرف أن العلاقات الاجتماعية بين الناس تبدلت بصورة جذرية بفعل التحولات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية التي هزت المجتمعات العالمية بأسرها. ونعرف أيضًا أن الضغوط اليومية تعصف بالصحة النفسية للكثيرين، فضلًا عن ضغوط المعيشة. ولا ننسى عوالم التواصل الاجتماعي التي تسهم في نشر ثقافة العنف والكراهية والغضب، إلى جانب المخدرات التي دمرت حياة الآلاف وجرفتهم نحو عالم الجريمة.
ندرك جميعًا ذلك، غير أن ما يتبدى أمامنا من مستويات مروعة للجريمة ما يزال دون القدر الواجب من الفهم والتشخيص.
وبمعنى أكثر وضوحًا، أعتقد أننا لا نولي هذا الأمر ما يستحقه من العناية والاهتمام. فيومان أو ثلاثة تصبح فيهما الجريمة حديث الناس، وتتصدر منصات التواصل الاجتماعي بسيل من التعليقات السطحية والسخيفة، وسحب من التعليقات الفارغة من المضمون، ثم ننسى الموضوع وننتقل إلى قضية جديدة نملأ بها فراغ حياتنا.
وكانت الصحافة الجادة وأصحاب الاختصاص في السابق يتصدون لإدارة النقاشات حول هذه الحوادث، لكن منصات التواصل الاجتماعي سرقت انتباه الأغلبية، كما أن أوامر منع النشر في الجرائم المرتكبة حالت دون ممارسة الإعلام الجاد لدوره في تحليل الظاهرة.
فجريمة كبرى كالتي وقعت قبل أيام في بلدة حسبان تُختصر في بيان رسمي، بينما تستمر التحقيقات دون أن تتمكن وسائل الإعلام من متابعتها.
وثمة اعتبارات نعلمها تفرض على المسؤولين أحيانًا إغلاق الملفات في وجه وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، لكن ينبغي أن تبقى القضايا وخلاصات تحقيقاتها متاحة لفرق من الخبراء والمعنيين في المؤسسات الرسمية، لتحليل معطيات كل جريمة، والحفر في جذورها العميقة، ودراسة ظروف الجاني والضحايا، وبناء تصورات حول الإجراءات التي ينبغي اتخاذها لمنع وقوع جرائم مماثلة، خاصة عندما يكون للمتهم سوابق أمنية أو اضطرابات نفسية تستدعي اتخاذ خطوات احترازية، كإخضاعه للمراقبة، ومنعه من امتلاك سلاح ناري، أو غير ذلك من الإجراءات.
وليس هذا فحسب، بل إن البحث العميق يجب أن يشمل أيضًا أحوال المجتمع الذي يعيش فيه الجناة والضحايا، لفهم تلك البيئة، وما يمكن أن نفعله كي لا ينزلق من يعيشون فيها إلى الطريق ذاته.







