اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خطاطبة يكتب: ربط الأجور بالتحويل البنكي.. أداة تنظيمية

{title}
أخبار الأردن -

 

محمود خطاطبة


قُبيل العشر الأوائل من ذي الحجة بأيام قليلة، جاءني صوت رجل بسيط عبر الهاتف، لا يحمل في حديثه أي مُبالغة، ولا يطلب أكثر من حقه كما يراه هو في نهاية يوم عمل طويل ومُضن.
 

عامل في مطعم وجبات سريعة في تجهيز وتتبيل الدجاج المقلي (البروستد) لثماني ساعات يوميًا، وأحيانًا أكثر حين يشتد الضغط، رجل تجاوز العشرين عامًا في هذه المهنة، يعرف تفاصيلها الدقيقة.. وعلى الرغم من كُل هذا، فإن أجره لا يتجاوز دينارًا واحدًا عن كُل ساعة عمل، قالها كما نقول الأشياء التي استقرت في الحياة بالقوة لا بالرضا، وكأنها حقيقة ثابتة لا تقبل النقاش.
يشكو ذلك العم من أنه حاول بعد عامين في المكان نفسه أن يطلب زيادة بسيطة، لا تغييرًا في المُعادلة، ولا انقلابًا في الوضع، مجرد هامش صغير يوازي ما يراه من جهد يتراكم يوميًا، لكن الرد جاء واضحًا: إما البقاء بالشروط نفسها أو المُغادرة.
لا مساحة تفاوض واسعة حين يكون العرض كبيرًا والطلب محدودًا، وحين تتحول الحاجة إلى عامل ضغط لا يقل قسوة عن أي عامل آخر في السوق. 
كثيرون هم من واجهوا هذه الأوضاع منذ جائحة فيروس كورونا، بل إن هذا العم تحديدًا يقول إن الأوضاع كانت أفضل بكثير قبل العام 2020، لكن قصته ليست استثناء، بل أقرب إلى نمط يتكرر بهدوء في عدد من القطاعات اليومية التي تعتمد على العمالة المُباشرة، مثل المطاعم والمخابز وبعض الخدمات الصغيرة، خصوصًا في ظل الاتفاق البيني بينهم وبين رب العمل في الحصول على أجر يومي أو اسبوعي.
هل لفت انتباهكم قُبيل العيد وفي جولاتكم على أسواق كثيرة في مُحافظات حبيبة مثل: العاصمة والزرقاء وإربد ومادبا كم عدد المحلات الخاوية من مُتسوقين وباعة؟، بالكاد تجد موظفًا في بعض المحال يقوم بمهام مُتعددة.. الأوضاع سيئة كما يقولون وفُرص التوظيف أقل، وهذا الحاضر وعلينا القبول أو البقاء في البيت.
هُنا، لا تقاس الأمور دائمًا بميزان الكفاءة وحده، بل يتداخل فيها حجم السوق، وتوفر البدائل، وقُدرة العامل على الانتقال من مكان إلى آخر دون خسارة ما بناه من خبرة بسيطة لكنها مُتراكمة. 
المُشكلة لا تقف عند حدود الأجر نفسه، بل تمتد إلى طريقة إدارة سوق العمل في هذه الفئات، فحين يبقى الدفع خارج القنوات البنكية المُنظمة، يُصبح من الصعب معرفة ما إذا كانت الحدود الدنيا للأجور مُطبقة فعلًا، أم أنها حبر على ورق ضائع بين الطرفين. 
هل نقول إن قطاعات مُعينة تُفعلها؟ نعم، رغم التحسينات التي طرأت لكنها موجودة، ظروف العمل ليست مقبولة أحيانًا، ورب عمل غاضب إن طبق الحد الأدنى.. في مخبز ومطعم في الزرقاء يقول لي عاملون إن صاحب المطعم يرفض السماح لهم بوضع الماء البارد في الثلاجات - قد يكون هذا الأمر من ناحية الصحة والسلامة وتداول الطعام مُبررًا - لكنه يرفض أيضًا توفير الماء البارد لهم، يضطرون لوضع عبوات الماء في الدكاكين المجاورة وقطع مسافة لشرب ماء بارد أو شراء عبوة من المطعم ذاته بالسعر التجاري.
الحديث عن ربط الأجور بالتحويل البنكي يصير أكثر من مجرد وعد، بل أداة تنظيمية تُعيد تعريف العلاقة بين العامل وصاحب العمل، وتسمح بوجود أثر واضح يُمكن مُتابعته ومُراجعته.. الهدف ليس تعقيد العملية، بل جعلها قابلة للقياس، لأن ما لا يظهر في البيانات يبقى خارج الرقابة مهما كانت القوانين واضحة، ومهما كانت الرقابة حاضرة، فالعامل هو الحلقة الأضعف، وقد يضطر للقول ما يُريده رب العمل للحفاظ على مصدر دخله.
في الجوهر، القضية ليست حالة فردية ولا حادثة معزولة عن سياق سوق العمل، بل صورة تتكرر بصيغ مُختلفة، لكن مضمونها واحد: عامل يملك خبرة، وسوق يملك عرضًا أكبر من الطلب، وقانون يحاول أن يوازن بينهما، لكنه لا يصل دائمًا إلى تفاصيل الحياة اليومية.
ما قاله ذلك الرجل قبل العيد يبقى عالقًا في الذهن، لأنه يأتي من يوم عمل عادي تمامًا.. ومن هُنا تبدأ الأسئلة الحقيقية بعيدًا عن الأسئلة الموضوعة بعناية وبإجابات أصدق وأكبر من واقع لا يحتاج إلى شرح طويل بقدر ما يحتاج إلى تنظيم أكثر دقة وعدالة في آن واحد.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية