أبو طير يكتب: نصدق الإشاعات ونكذب النفي
ماهر أبو طير
الأردن ربما من أكثر الدول العربية التي يتم تبادل الإشاعات فيها، وتساهم وسائل التواصل الاجتماعي في النقل والتأكيد والنفي.
خطورة الإشاعات أنها أصبحت ظاهرة متجذرة، وحتى النفي لكثير من الإشاعات لم يعد يأت بنتيجة، والناس يصدقون الإشاعة مسبقا، ويكذبون النفي، وهذه كارثة سببها تراكم الخيبات، وتضرر الثقة بين الرسميين والمواطنين، حتى أصبحت الإشاعة هي الأساس الصادق، وكل نفي يتم الرد عليه بالقول إن النفي دليل صحة الإشاعة أصلا.
خطورة الإشاعات تكمن في الظروف الاستثنائية، وهي في التواقيت العادية قد تؤدي إلى مضاعفات وأضرار لكن كلفتها الأعلى ستكون خلال أي أزمات، وربما الغرف المعتمة التي تنتج الإشاعات باتت خبيرة في تصنيعها، وأيها أكثر تأثيرا داخل مجتمع يعاني من هشاشة الثقة بالمعلومة الرسمية، خصوصا، أنه ثبت مرارا أن الإشاعة ليست إشاعة وصحيحة، فيما ثبت أحيانا أن النفي لم يكن صادقا.
يقول مرصد مصداقية الإعلام الأردني "أكيد" إن حركة الإشاعات الموجهة نحو الساحة المحلية واصلت ارتفاعها للشهر الثالث على التوالي، لكن بعدد أقل عن آذار ونيسان الماضيين، وتركزت هذه الإشاعات على القضايا الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية للمواطنين، وأضاف المرصد في تقريره الشهري الذي أصدره الاثنين، إن شهر أيار سجل 121 إشاعة، مقارنة بـ 157 إشاعة في نيسان الماضي، بانخفاض وصلت نسبته إلى 22.9 بالمائة في إجمالي حجم الإشاعات المتداولة، واستعرض التقرير نسب الإشاعات، وطبيعتها، ومصادرها الداخلية أو المتدفقة من الخارج.
حين نتحدث عن أكثر من 100 إشاعة شهريا في المتوسط، فنحن أمام كارثة كبرى تتنزل على الرأي العام، وليس مجرد إشاعة يتم إطلاقها ونسيانها، لأن التأثير الإجمالي يؤدي إلى نتائج خطيرة من غياب الثقة، وبث الشكوك والأحقاد والكراهية وغير ذلك، وهذا واقع بحاجة إلى معالجة بعيدا عن النفي فقط، لأن النفي بات أسلوبًا باهتًا.
علينا أن نفرق هنا بين الإشاعة الكاذبة، وبين المعلومة المؤكدة التي لا دليل موثقا لدى صاحبها، حتى لا يوظف البعض قصة الإشاعات لتكذيب كل شيء، كما أن المعلومات المنشورة مع وثائق كما جرى الحال مع بعض المؤثرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن إدراجها في باب اغتيال الشخصية أو الإشاعات ما دامت موثقة، وهذا يعني أن مصطلح الإشاعة يجب أن يكون معرّفا بشكل صحيح ومحدد، تجنبا لخلط الأوراق، ومحاولة تكذيب كل شيء منشور.
ربما من الواجب اليوم إعادة النظر بكل طرق التواصل، وتجفيف الأخطاء والزلات، والتصعيد في خطاب الثقة والشفافية والمصارحة، بدلا من ترك الناس نهبا للإشاعات، التي بتنا بحاجة وفقا لتقرير مرصد "أكيد" إلى 4 بيانات نفي يومية، حتى يتم نفي 120 إشاعة شهريا، وهذا أمر غير منطقي، حتى لا يتحول الإعلام إلى مهمة وحيدة هي النفي، بدلا من الاستباق، ومعالجة جذور هذه الأزمة.
نرصد الإشاعات، ونقوم بنفيها، لكن لا أحد يسأل لماذا نصدّق الإشاعات، ونكذب النفي في أغلب الحالات؟.. هذا هو السؤال.







