اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ملكاوي يكتب: حين يتحول النقاش إلى فرز أيديولوجي

{title}
أخبار الأردن -

 

موفق ملكاوي


تغيب عن كثير من نقاشات الفضاء العام اليوم أبسط شروط الجدل الرشيد، وهو الإنصات والتثبت واحترام التعقيد والاختلاف، إضافة إلى القدرة على مراجعة الموقف. فما إن تطرح قضية خلافية، حتى ينقسم المجال العام سريعا إلى معسكرين متقابلين، لا يتعامل كل منهما مع الفكرة بوصفها موضوعا قابلا للفحص، لذلك يتم «التمترس» سريعا، كما لو كانت الفكرة علامة انتماء، فلا يعود أحد يناقش إن كانت صحيحة في الأساس.
 

هذا التحول هو جوهر الأزمة، فالجدل، في أصله، يفترض وجود مساحة مشتركة بين المختلفين، تسمح بتبادل الحجج واختبار الأدلة وتعديل المواقف. أما ما يحدث في كثير من وسائل التواصل الاجتماعي فهو أقرب إلى التمترس، حيث يدخل الأفراد النقاش وهم يحملون أحكامهم النهائية سلفا، ثم يبحثون بعد ذلك عما يؤكدها، لتتحول المنصات إلى ساحات تعبئة يغيب عنها التفكير السليم.
لعل السبب الرئيس الذي يؤدي إلى هذه الظاهرة، هو أن وسائل التواصل لا تكافئ الفكرة الهادئة، لكنها تحتفي بالعبارة الحادة والمحتوى الصدامي، والذي قد لا يكون هو الأكثر دقة بالضرورة، لكنه يحقق الانتشار بواسطة قدرته على إثارة الغضب أو السخرية أو الاصطفاف. كما أن الزمن الرقمي، الذي يتصف بالسرعة، لا يمنح القارئ فرصة كافية للتأمل، كما لا يمنح الكاتب حافزا كافيا للتروي، لذلك تتراجع قيمة التحليل المتزن، فالمطلوب غالبا موقف فوري لا يحتاج أي قراءة متأنية.
السبب الثاني في بروز الظاهرة، هو أن  كثيرا من الناس يدخلون النقاش وهم يحملون الفكرة أكثر مما تحتمل، فالموقف من قضية ما يصبح، في وعيهم، امتحانا أخلاقيا كاملا للإنسان، فمن يوافقني فهو واعٍ ونبيل، ومن يخالفني جاهل أو متواطئ أو صاحب مصلحة، وهي وصفة مثالية لقتل أي نقاش أو ثقة، بتحويلها الخلاف إلى تهمة وإدانة.
نقد هذا السلوك لا يعني الدعوة إلى حياد بارد أو مساواة زائفة بين الحق والباطل، فهناك قضايا تستدعي موقفا واضحا، وهناك أفكار تستحق النقد الصارم. لكن الصرامة شيء، والإلغاء شيء آخر، فمناقشة الأفكار بموضوعية وحيادية تسمح لنا أن نعارض فكرة بوضوح من دون أن نحول صاحبها إلى عدو، كما يمكن أن ندافع عن قناعة بقوة من دون أن نمنع الآخرين من مساءلتها. المشكلة لا تكمن في اختلاف الآراء، وإنما في تحويل الاختلاف إلى فرز نهائي بين «نحن» و»هم».
أخطر ما ينتجه هذا النمط من الجدل أنه يضعف التفكير العام، فالناس يهملون أهمية فهم المسألة، ويركزون على تحديد موقعهم داخل الجدل الذي يطورونه إلى ما يشبه «المعركة»، لتصبح اللغة نفسها أداة حشد تستخدم لتسجيل النقاط، فتفقد وظيفتها كأداة معرفة وتوضيح للمعاني. ومع الوقت، تنشأ بيئات مغلقة لا يسمع فيها الإنسان إلا صدى جماعته، ولا يقرأ إلا ما يطمئنه إلى صواب موقفه.
استعادة أدبيات النقاش مسألة أخلاقية، وهي شرط لصحة المجال العام، خصوصا أننا في حاجة إلى إعادة الاعتبار للسؤال والدليل والنقد، قبل أن نطلق الأحكام وتهم التخوين. كما أننا بحاجة إلى شجاعة الاعتراف بأن القضايا العامة غالبا ما تكون أكثر تعقيدا من اختصارها في منشور غاضب أو تعليق ساخر أو شعار جاهز.
الجدل الصحي لا يطلب من الناس أن يتنازلوا عن قناعاتهم ومواقفهم، ولكن من الضروري أن يتم اختبارها، ومنحها أساسا معرفيا وأخلاقيا متينا. لكن حين يتحول النقاش إلى اصطفاف أعمى وتراشق بالاتهامات الجاهزة، فإن المجتمع يخسر القدرة على الفهم والاختلاف النبيل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية