اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

المنسي يكتب: حين يصبح النقد مهنة.. وتغيب الأفكار

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


ليس من المبالغة القول إن المزاج العام في السنوات الأخيرة شهد تحولات عميقة، فرضتها جملة من المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بيد أن العامل الأكثر تأثيراً كان بلا شك الصعود الهائل لمواقع التواصل الاجتماعي التي أصبحت المساحة الأولى لتشكيل الرأي العام وصناعة الانطباعات وتوجيه النقاشات العامة؛ وهذا بحد ذاته مؤشر سلبي.
 

في الأصل، كان يُفترض أن تفتح تلك المنصات أمام تنوع الآراء وتبادل الأفكار وإثراء النقاش العام، غير أن الواقع أفرز ظاهرة مختلفة تستحق التوقف عندها، إذ أصبح الاتهام والتشكيك والنقد المستمر العنوان الأبرز للكثير من الخطابات المتداولة، حتى باتت بعض المنصات أشبه بمحاكم مفتوحة تصدر الأحكام قبل سماع الوقائع، وتدين قبل التحقق، وتشهر قبل أن تفكر.
مبدئيا؛ لا أحد يعترض على النقد، بل إن المجتمعات الديمقراطية والدول الحديثة تقوم أساساً على حق النقد والمساءلة والمحاسبة، لكن النقد الذي يهدف إلى الإصلاح يختلف عن النقد الذي يتحول إلى غاية بحد ذاته، فالأول يبحث عن الحلول ويقترح البدائل ويسهم في تصويب المسار، أما الثاني فلا يرى في المشهد سوى الأخطاء والإخفاقات، ويتعامل مع كل قضية من منطلق الرفض المطلق دون أن يقدم رؤية أو فكرة أو مشروعاً بديلاً.
المؤسف أن كثيراً ممن يتصدرون المشهد الرقمي اليوم لا يستندون لخلفيات فكرية أو سياسية أو معرفية واضحة. وليس المقصود هنا مصادرة حق أحد في التعبير عن رأيه، فالرأي حق للجميع، لكن التأثير في الرأي العام مسؤولية مختلفة تماماً. ففي مراحل سابقة كانت الساحة العامة تعج بتيارات سياسية ومدارس فكرية ونخب ثقافية يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف حولها، لكنها كانت تقدم أطروحات متكاملة وبرامج قابلة للنقاش.
أما اليوم، فقد أصبح من السهل أن يتحول أي شخص إلى (مؤثر) في الشأن العام بمجرد امتلاكه حساباً نشطاً وقدرة على إثارة الجدل، ومع مرور الوقت، باتت بعض الأصوات تبني حضورها بالكامل على الرفض الدائم والنقد المستمر، حتى أصبح الإنجاز موضع تشكيك، والمبادرة محل اتهام، وأي محاولة للتطوير سبباً للهجوم والاستهداف.
الأخطر من ذلك أن بعض هؤلاء لا يقبلون بالاختلاف معهم، فهم يطالبون بحرية التعبير عندما يتعلق الأمر بآرائهم، لكنهم يرفضونها عندما يطرح الآخرون وجهات نظر مغايرة. وعندما يتحدث صاحب خبرة أو مفكر أو سياسي يمتلك رؤية مختلفة، تبدأ حملات التجييش والتشويه والتخوين، وكأن المطلوب ليس الحوار، بل الاصطفاف خلف رأي واحد لا يجوز الخروج عنه.
وفي هذا السياق، برزت قوى شد عكسي لا تخفي رفضها لكل ما يتعلق بالتحديث والتطوير والإصلاح؛ هذه القوى لا يعجبها شيء، وترفض كل شيء تقريباً؛ ترفض مشاريع التحديث السياسي، وتشكك بالإصلاح الإداري، وتنتقد التطوير الاقتصادي، وتهاجم أي تغيير يمس الواقع القائم، لكنها في المقابل لا تقدم نموذجاً بديلاً أو مشروعاً متكاملاً يمكن مناقشته أو البناء عليه.
إنها حالة من الرفض من أجل الرفض، والاعتراض من أجل الاعتراض، وكأن المطلوب أن تبقى الدولة أسيرة الجمود، وأن يبقى المجتمع يدور في الحلقة ذاتها دون تقدم أو تحديث أو مراجعة. والحقيقة أن الدول التي لا تتطور تتراجع، والمجتمعات التي تخشى التغيير تجد نفسها عاجزة عن مواجهة تحديات المستقبل.
الحقيقة الثابتة أن مواقع التواصل الاجتماعي منحت الجميع حق الوصول إلى المنصة، وهو أمر إيجابي في جوهره، لكنها في الوقت ذاته منحت الأفضلية للصوت الأعلى لا للفكرة الأعمق، وللشعار الأكثر إثارة لا للرأي الأكثر اتزاناً. وأصبح عدد المتابعين لدى البعض بديلاً عن المعرفة؛ وعدد الإعجابات بديلاً عن الحجة، وانتشرت ثقافة الأحكام السريعة على حساب التحليل والتفكير والتروي.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات اليوم ليس وجود النقد، بل غياب المسؤولية عن النقد، فالدول التي تسعى إلى التحديث والتطوير تحتاج إلى عقول تفكر وتناقش وتقترح، لا إلى أصوات ترفض كل شيء وتعارض كل مشروع وتشكك بكل جهد، أما تحويل مواقع التواصل إلى منصات دائمة للاتهام والتخوين والتشكيك، فلن يقود إلا إلى إضعاف الثقة العامة وتعميق الإحباط المجتمعي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية