العثامنة يكتب: ذلك الضجيج القابل للاشتعال
مالك العثامنة
الأردن لا يعيش فراغا عاما بالمعنى الحرفي، لكنه يعيش فراغا في الخطاب، وثمة من يحترف ملء الفراغ بالتوتر، ويعرف كيف يحول الشكوى المشروعة إلى وقود، والسؤال الطبيعي إلى إشعال، والمطالبة المدنية إلى حشد له وجهة مختلفة تماما عن الوجهة المعلنة.
الغضب الشعبي ظاهرة صحية حين يكون ردود فعل حقيقية ومشروعة على إخفاق حقيقي، لكن إدارة الغضب وتوجيهه واستثماره السياسي شيء آخر تماما، والفارق بين الاثنين لا يظهر دائما في لحظة الصراخ الأولى، بل يظهر في السؤال عمن يضخم القصة ولماذا، وإلى أين يريد أن تصل؟
حين أصدرت وزارة البيئة خطابا حاد الصياغة بحق من يرمي النفايات في الشوارع ومواقع التنزه والغابات، تحولت العبارة الواحدة إلى ساحة جدل، وكأن المشكلة قد استقرت في من كتب الخطاب، لا في من يحول الغابة إلى مكب مجاني والشارع إلى سلة مهملات علنية، وواقع الحال أن الوزارة لم تخاطب المواطنين جميعا، بل خاطبت من يمارس سلوكا لا تستطيع الدولة أن تتسامح معه بصمت مهذب لأن المجاملة هنا تصبح تواطؤا ناعما مع فوضى تتراكم يوما بعد يوم، وما يحتاجه هذا الملف ليس تليين اللغة بل تشديد التطبيق، وهذا ما نتوقعه من السلطات في خطوة تالية مفترضة.
وحين تحول حفل البترا في عطلة العيد إلى محاكمة أخلاقية "غاية في العبثية" وفي الفضاء الافتراضي، غاب عن المشهد سؤال بسيط وعادل: وهو من يعيش في وادي موسى والبترا المحيطة بالموقع. فالبترا ليست متحفا مغلقا خارج الحياة، بل مدينة سياحية يعيش حولها مجتمع كامل من أصحاب الفنادق والمطاعم والأدلاء وأصحاب الرواحل وعمال النقل والمحال وأسر بأكملها تعيش من الزائر، وهؤلاء دفعوا ثمن سنوات صعبة جدا، ولذلك لا يجوز تحويل كل فعالية سياحية إلى جريمة، لكن يجب في الوقت نفسه أن تخضع كل فعالية لشروط صارمة تحمي الموقع وتحترم خصوصيته وتضمن أن يكون المجتمع المحلي شريكا في العائد لا مجرد شاهد على الحفل.
لكن الأخطر في هذا كله هو التسلل السياسي لتيارات تعرف كيف تتسلل من باب الأخلاق حين تناسبها الأخلاق، ومن باب الهوية حين تخدمها الهوية، ومن باب الدفاع عن الناس حين تجد فراغا في الخطاب الرسمي، وهذه التيارات لا تبحث عن حل لمشكلة بيئة أو إدارة موقع سياحي، بل تبحث عن إعادة إنتاج نفوذها داخل الغضب العام، ومواجهة هذا المنطق لا تكون بتبرير مرتبك ولا بدفاع خجول، بل بمنطق دولة مدنية تعرف أنها لا تُدار بالابتزاز الأخلاقي.
الدولة مطالبة بخطاب رسمي شجاع يفرق بين النقد والتحريض، وبين السؤال المشروع والتجييش المقصود، والمجتمع الذي يريد فعلا حماية بيئته عليه أن يغضب أولا من النفايات لا من العبارة التي تدين من يرميها، والمجتمع الذي يريد فعلا حماية البتراء عليه أن يدافع عن تنظيم السياحة فيها لا عن تعطيل الحياة حولها، لأن الغضب الجماعي صارت إدارته مجهولة النسب وبعيدة عن العفوية كثيرا.







