خريسات يكتب: دمج المؤسستين: أمن غذائي ثم أسهم للجميع
رامي خريسات
يأتي دمج المؤسستين العسكرية والمدنية في كيان واحد كقرار حكومي في محله؛ إذ يؤسس لكيان اقتصادي ولوجستي وطني أكثر كفاءة وقدرة على التوسع، مستنداً إلى 172 فرعاً، ومدعوماً بالخبرة، والانضباطية، والحماس العسكري.
يوقف هذا القرار الهدر عبر توحيد المشتريات، والتعاقدات، والتخزين، والتوريد، والبيع، مما يمنح المؤسسة قوة تفاوضية هائلة. هذا الشراء الموحد يحقق «وفورات الحجم» (Economies of Scale)، حيث تنخفض تكلفة الوحدة بزيادة الكمية، لينعكس ذلك أسعاراً تفضيلية ، إما بخفضها أو بتثبيتها ضد التقلبات العالمية، لا سيما في السلع الأساسية التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
سيحقق الدمج إدارة أكفأ وأكثر تنافسية للمخزون الاستراتيجي، اعتماداً على مجسات ترصد الأسعار أو الأرباح المبالغ فيها لسلع معينة، لتتدخل المؤسسة برفع المعروض لخفض الأسعار وفق آلية السوق الحر. وليبقى القطاع الخاص رابحاً والمؤسسة رابحة، حيث تُقلم المنافسة هوامش الأرباح بمعقولية تناسب الدخول، مارعين عدم تهميش دور القطاع الخاص، بحيث يكون التكامل والشراكة هما الأساس.
الاستهلاكية العسكرية ستصبح ركيزة الأمن الغذائي الذي يقع في قلب توجيهات جلالة الملك ورؤية التحديث الاقتصادي ، كما تنسجم مع الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي 2021-2030،، وتنساب مع رؤى الحكومات المتعاقبة، بل وحكومات العالم. والنتيجة : خروج المؤسسة من بوتقة نافذة البيع التقليدية إلى ذراع استراتيجي لوجستي أردني.
وإن رست دعائم الحوكمة الإدارية واللوجستية، يمكن الانطلاق بها نحو آفاق أرحب بتحولها لمساهمة عامة بطرحها للاكتتاب العام، مما يقدم للأردنيين مشروعاً مدروساً ذا تاريخ تشغيلي حقيقي، لا مشروع اكتتاب مرهون بدراسة جدوى ورقية، قد لا تتحقق إلا بمحض صدفة يقودها مؤسسون ثقات وذوو باع في النجاح الاستثماري، كبعض العائلات الأردنية العريقة.
ومن شأن إدراجها في البورصة أن يتيح للمواطنين فرصة الاستثمار في أحد أهم الأصول الوطنية، لتعم الفائدة على جمهور المستهلكين والمدخرين ،حين يتحول المستهلك إلى مساهم كل حسب امكانياته. وليتم الطرح بسعر مغرٍ يفيد الأطراف كافة: حكومة تحتفظ حصة مؤثرة (أو أسهم ذهبية ) تضمن لها التمويل متى احتاجت عبر زيادة رأس المال وإيرادات مستقبلية مستدامة، والمهم تكفل سيادة القرار، فالأمن الغذائي خط أحمر.
والجميل في هذا النموذج الأردني الخاص أنه سيكون خليطاً فريداً: شركة مساهمة للحكومة الغلبة، تُدار بعقلية القطاع الخاص، وتحمل نكهة تعاونية تنبع من تخصيص أسهم ومقاعد في مجلس الإدارة للمنتجين الأردنيين (زراعيين وصناعيين ) وعموم الشركاء، وذلك بصورة متوازنة تكفل إيصال صوتهم ومصالحهم دون تغول في القرار أو تعارض في المصالح.
سيرتقي هذا النموذج بالاقتصاد التعاوني في الأردن، لا تقف عند حدود الجمعيات الصغيرة، بل تمتد بما يناسب خصوصيتنا إلى شركات مساهمة كبرى ذات أهداف اجتماعية واقتصادية. وللعلم، حجم نشاط أكبر 300 تعاونية عالمياً يبلغ 2 تريليون، ويوجد مليار عضو تعاوني في العالم، و1.4 مليون عضو تعاوني في سنغافورة وحدها، يمثلون 25 % من السكان.







