اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نادية سعدالدين تكتب: "تسويات منقوصة" لا سلام

{title}
أخبار الأردن -

 

نادية سعدالدين


ما يدور حالياً في غزة ولبنان يُعد نتاج اتفاقيات مجزوءة هشة سرعان ما تتهاوى أمام أطماع العدو الصهيوني ونزعته العدوانية المُتطرفة والمُتجاوزة لحدود المساءلة الدولية، ما يجعلها قابلة للتساقط باستمرار دون أن تعرف المنطقة أجواء السلام والاستقرار قط، طالما تأطرت ضمن تسويات منقوصة آيلة للانهيار في أية لحظة، وطالما لم يتم معالجة أصل المشكلة المُتمثلة في وجود الاحتلال وسرقة الحقوق الوطنية المشروعة وإنكارها.
 

إن هناك فرقاً كبيراً بين مفهومي التسوية والسلام؛ فالتسوية قد تتم في ظل خلل بموازين القوة حين يتمكن طرف من فرض معظم شروطه، لكن التسوية المفروضة بالقوة ليست قابلة للدوام وتُصبح معرضة للانهيار بمجرد تغير الموازين التي أفرزتها. أما السلام فلا يتحقق إلا بإزالة أسباب الصراع و/ أو القبول الطوعي لحل وسط يأخذ في الاعتبار حقوق ومصالح جميع الأطراف ويوفق بينها على نحو مبتكر. وحتى لو كانت احتمالات التسوية ما تزال واردة، لكنها تسوية لن تفضي إلى وضع حد للصراع، وإنما ستعمل فقط على تغيير نمط تفاعلاته وإدارته بوسائل وأساليب أخرى.
فالفجوة ما تزال كبيرة بين شروط الحد الأدنى للتسوية المقبولة فلسطينياً وعربياً على الصعيد الرسمي، والتسوية كما يريدها الاحتلال أو كما يتصور أنه قادر على فرضها. فالكيان الصهيوني لم يقبل حتى الآن بالانسحاب رغم قبول الجانب الفلسطيني والعربي به وتخليهم عن مقولاتهم السابقة بتحرير كامل الأرض، فالتسوية التي يمكن أن يقبل بها في ظل موازين القوى الحالية لن تلزمه بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة، ولن تُجبره على تغيير موقفه الرافض لحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأراضيهم التي هُجروا منها بفعل عدوانه عام 1948، لأن القبول بها يعني انهياره وزوال الركائز التي يقوم عليها.
ورغم كل المبادرات والطروحات المتوالية، ورغم السياسات «الاسترضائية» التي قدمتها السلطة الفلسطينية للكيان المُحتل، إلا أن الصراع لم ينتهِ، فما زال جوهره قائماً بدون حل، وما يزال يدور حول الحقوق العربية المشروعة في الأراضي العربية المحتلة وأسس السلام العادل والشامل والدائم ومفهوم الأمن المتبادل، إزاء فشل المسار التفاوضي منذ انطلاقه قبل اتفاق «أوسلو» (1993) وما بعده في إحراز تقدمٍ في أي من قضايا حق عودة اللاجئين والقدس والاستيطان والأمن والمياه والحدود، بينما أضحى خيار الدولة الفلسطينية المستقلة والمتصلة يتآكل تدريجياً بحكم سياسة فرض الأمر الواقع الصهيونية بالاستيطان والتهويد وجدار الفصل العنصري.
إن اضطرار الكيان المُحتل، تحت وطأة ضغوط دولية، للقبول بالانسحاب من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف، وإزالة المستوطنات، والتوصل إلى حل عادل متفق عليه بشأن قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق القرار الدولي 194، حسب المطلب العربي الرسمي المُدرج في إطار المبادرة العربية للسلام التي رفضها الاحتلال بداية قبيل موافقته على التعاطي معها بوصفها أفكاراً للتفاوض مع إخراج حق العودة والمستوطنات والقدس من المعادلة، يعد أمراً مشكوكاً في تحققه، ليس فقط بسبب المنطلقات الفكرية والمرتكزات الصهيونية التي يقوم عليها الكيان المُحتل، بمختلف توجهاته اليسارية واليمينية والدينية، وإنما، أيضاً، لأن القبول بها يحمل نُذر نهايته.
وإذا كان تحقق إنهاء الصراع العربي – الصهيوني ليس مستحيلاً، ولكنه صعب المنال اليوم بسبب طبيعة الاحتلال نفسه وتعقـد الصراع وتعدد أبعاده وأطرافه، وارتهانه بجملة متطلبات قد تحتاج لأكثر من الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، إذ يتطلب الاستعداد له استمرار المقاومة الفلسطينية واللبنانية، وتحقيق الدعم العربي والإسلامي لها، والتصدي لمحاولات الإجهاز عليها وإجهاضها، وإنجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية، ووضع استراتيجية عربية إسلامية لإدارة الصراع وصولاً إلى حله، وعدم الارتهان إلى حدوث تغييرات في النسق الدولي فقط، رغم أهميتها. وقد تتبدل الأولويات هنا، ولكن يبقى المحدد الأساسي فيها استمرار المقاومة والدعم العربي الإسلامي لها والقدرة العربية الفلسطينية على حسم الصراع لصالح الحقوق الوطنية المشروعة.
إن أية تسوية قد يتم التوصل إليها لن تُنهي الصراع العربي - الصهيوني، ولن تكون قادرة على إنهاء جوانب الظلم التاريخي الذي لحق بالشعب الفلسطيني، حيث ستبقى قضايا جوهرية عالقة تشكل أساس الصراع، في ظل شكوك بالتزام الكيان المُحتل بأي اتفاق تسوية يتم التوصل إليه، قياساً بتجارب سابقة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية