اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

خيرالله يكتب: لماذا ثقة الأردن في المستقبل؟

{title}
أخبار الأردن -

خيرالله خيرالله

كلمة عبدالله الثاني إلى الأردنيين كانت تعبيرا عن قدرة على ممارسة الثقة بالذات والاستمرار في بناء دولة قويّة متمسّكة بتاريخها وجذورها تعرف ماذا تريد قبل أي شيء.

لم تكن الكلمة التي وجهها الملك عبدالله الثاني إلى الأردنيين في الذكرى الثمانين للاستقلال سوى تعبير عن الثقة بالمستقبل وبالقدرة على مواجهة التحديات في منطقة أقلّ ما يمكن قوله فيها أنّها في مهب الريح.

الأهمّ من ذلك كلّه أن العاهل الأردني رسم صورة المستقبل الذي يطمح إليه الأردن كدولة عصريّة، لا تمتلك سوى القليل من الثروات الطبيعيّة، استطاعت تطوير ثروة خاصة بها هي ثروة الإنسان.

كانت كلمة عبدالله الثاني مقتضبة، لكنّ فيها ما يكفي من الشجاعة لتأكيد أنّ الأردن يمارس بالفعل التسامح على أرض الواقع في منطقة مليئة بالتناقضات والمتطرفين من كلّ حدب وصوب. ليس حدثا عاديا كلام العاهل الأردني عن طبيعة الأردن كبلد يتحدث فيه الملك إلى “أبناء” الأردن و”بناته” ويقول: “لم يكن الأردن يوما هامشا في سرد البشرية، بل موطنا للأمم وأرضا للوئام. على ضفّة  نهره تعمد المسيح، وفي ربوعه عاش الصحابة والتابعون. على أرضه عاشت حضارات قدمت للعالم دروسا في المنعة والصمود فعلمتنا كيف نسعى ونحول الصعاب إلى فرص. الحاضر خير شاهد على ذلك. فرغم كل الظروف، حافظ الأردن على حدوده وأمنه وواصل مسيرته الديموقراطية وجنب اقتصاده آثار الأزمات”.

من بين أهمّ ما ورد في الكلمة قول عبدالله الثاني: “اليوم لا نحتفل فقط بما أنجزناه بل بما نمتلك من قدر وقدرة. ليس الفخر غايتنا وإنما ترسيخ ثقتنا بهذا الوطن”. الأردن يعرف نفسه ويعرف وجهته ويعرف خياراته. معنى ذلك أن المملكة تدرك تماما طبيعة سير الأحداث في المنطقة وتدرك كيف التعاطي معها وذلك استنادا إلى خبرة طويلة في هذا المجال. فإذا كانت أحداث السنوات الثمانين الماضية أثبتت شيئا، فهي أثبتت أن الأردن من ثوابت المنطقة. تغيّرت سوريا وتغيّر العراق وبقي الأردن، كما هو، مملكة هاشميّة لا تحتاج إلى دروس في الوطنيّة من أحد… بما في ذلك من تنظيمات فلسطينية كانت تعتقد أن “الطريق إلى القدس تمرّ بعمّان”!

تعاطى الأردن دائما مع التغييرات والمتغيرات العراقيّة والسوريّة بكلّ مرونة وحزم في آن. فعل ذلك على الرغم من أنّه كان مستهدفا في مناسبات كثيرة، خصوصا في أيام الوحدة المصريّة – السوريّة بين 1958 و1961 وفي مرحلة صعود حافظ الأسد بعد العام 1970. وقتذاك، عرف الملك حسين كيف استيعاب الأسد الأب الذي سعى إلى وضع الأردن تحت جناحيه، كما فعل مع لبنان، وتشكيل جبهة، في إمرته، تمتد من العقبة إلى الناقورة في جنوب لبنان! 

بالنسبة إلى دول الخليج، تطورت العلاقة الأردنية مع هذه الدول. بات الأردن الذي أخذ موقفا واضحا من نظام “الجمهوريّة الإسلاميّة”، منذ لحظة قيامه في العام 1979، ومنذ خوض هذا النظام حربا مع العراق بين 1980 و1988، جزءا لا يتجزّأ من الأمن الخليجي.  

لا بدّ من التوقف عند الإشارة إلى عبارة “على ضفّة نهره تعمّد المسيح”. إنّها عبارة تؤكّد الأهمّية التاريخيّة والحضارية للأردن ومدى استيعاب العرش الهاشمي لهذه الأهمّية وهذا العمق التاريخي للبلد الذي قام انطلاقا من تفاعل بين سكانه الأصليين من شرق أردنيين والهاشميين. كان ذلك منذ مطلع عشرينات القرن الماضي في ما كان إمارة شرق الأردن التي ما لبثت أن صارت المملكة الأردنيّة الهاشمية في العام 1946.

في كلّ تاريخه، بقي الأردن محافظا على قيم معيّنة تقوم على أساس الاعتراف بكلّ مكوناته. لا تفريق بين مواطن وآخر بسبب الدين أو القوميّة. يفسّر ذلك الاندماج الكامل بين عشائر الأردن، التي بينها عشائر مسيحية والعرش الهاشمي، كذلك بين العرش والشركس والدروز والشيشان وذوي الأصول الشاميّة. أضاف هذا التفاعل بين كلّ هذه الفئات مناعة وقوة واستقرارا للأردن. عزز ذلك الدور الإيجابي للأردن فلسطينيا. عزز صمود الفلسطينيين في الضفّة الغربيّة. صار الأردن رئة لهؤلاء للخروج إلى العالم والعودة إلى فلسطين عبر جسر الملك حسين.

غالبا ما ردّد عبدالله الثاني أن الموضوع ليس موضوع تسامح بمقدار ما أنّه موضوع الاعتراف بالآخر. من هنا، ليس صدفة وجود الوصاية الأردنيّة على الأماكن المقدّسة المسيحيّة والإسلاميّة في القدس. ثمّة علاقة تاريخيّة بين الهاشميين والأماكن المقدّسة في القدس، خصوصا المسجد الأقصى…

يبقى في نهاية المطاف أنّ ليس في الإمكان تجاهل العلاقة بين الأردن والفلسطينيين. تحولت هذه العلاقة مع الوقت وفي ضوء التجارب إلى أكثر من إيجابية. أنقذ الأردن، بفضل مؤسساته، في مقدمها جيشه وتلك اللحمة العميقة بين مؤسسة العرش والعشائر، الفلسطينيين من أنفسهم في العام 1970. ذهب الأردن إلى ابعد من ذلك عندما قطع الطريق على اليمين الإسرائيلي الذي كان يحلم في مرحلة معيّنة بالأردن كـ”وطن بديل”.

تحوّل الفلسطينيون في أيّامنا هذه، إلى عامل إيجابي على صعيد الداخل وفي خدمة الاستقرار. لم يعودوا  قوة اقتصادية لها وزنها في المملكة فقط. تبينت أهمّية الأردن فلسطينيا، خصوصا بعدما اكتشف هؤلاء أهمّية الاستقرار الأردني وأهمّية العيش في دولة تمتلك مؤسسات راسخة وترفض أي نوع من التطرّف من جهة والعيش في ظلّ شعارات طنانة لا قيمة لها على أرض الواقع من جهة أخرى. في كلّ ما فعله الأردن، بما في ذلك قرار فك الارتباط مع الضفّة الغربيّة في 1988 والتوصل إلى اتفاق وادي عربة مع إسرائيل في 1994، تأكيد على الدفع في اتجاه قيام دولة فلسطينيّة مستقلّة في يوم من الأيام…

كانت كلمة عبدالله الثاني إلى الأردنيين كلمة من القلب. كانت تعبيرا عن قدرة على ممارسة الثقة بالذات والاستمرار في بناء دولة قويّة متمسّكة بتاريخها وجذورها تعرف ماذا تريد قبل أي شيء.

 




 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية