شبلي يكتب: الظواهر السلبية في تولي المسؤوليات بالمؤسسات المهنية العربية: الأسباب والنتائج – دراسة معمقة لدول المشرق العربي
الدكتور سعد شاكر شبلي
يعيش المجتمع العربي، وخاصة في عدد من دول المشرق العربي، أزمة بنيوية حادة تتجلى في الفجوة الهائلة بين النظام المؤسسي النظري والممارسة العشوائية الفعلية عند تولي المسؤوليات في القطاعين العام والأهلي. فمن ناحية، تزخر الدساتير والقوانين العربية بنصوص دقيقة تنظم الانتخابات وآليات اختيار القيادات في المؤسسات المهنية العربية (الرياضية والثقافية والنقابية)، وتؤكد على مبادئ الكفاءة والنزاهة وتكافؤ الفرص. لكن من ناحية أخرى، يشهد الواقع اليومي عشوائيةً إداريةً وتنظيمية تتيح للعناصر غير المؤهلة الوصول إلى المناصب القيادية، ليس عبر صناديق الاقتراع النزيهة، بل عبر شبكات المال والنفوذ والعلاقات الشخصية.حيث تشير ملامح الأسلوب المؤسسي (النظري) في تولي المسؤوليات إلى:
- وجود قوانين ولوائح تنظيمية.
- انتخابات دورية تحت إشراف قضائي أو رقابي.
- معايير معلنة للكفاءة والخبرة.
- آليات للمساءلة والمحاسبة.
فيما يبدو واقع الأسلوب العشوائي (التطبيقي) في مجالات عديدة في بعض دول المشرق العربي، لعل أبرزها يبدو واضحاً في: تجاوز القوانين عبر تدخلات خلفية من متنفذين سياسيين أو اقتصاديين، وشراء الأصوات وإغراء الناخبين بالمال أو الخدمات أو الوعود، مع غياب الشفافية في فرز الأصوات وإعلان النتائج، فضلاً عن إقصاء الأكفاء عبر حملات تشويه ممنهجة، أو تهديدات، أو ضغوط نفسية ومهنية، وذلك عبر تداول المناصب ضمن عائلات أو أحزاب أو طوائف بعينها، بمعزل عن الإنتاجية.
ويبدو أن ذلك يظهر في ضوء خصوصية دول المشرق العربي، وعلى سبيل المثال في لبنان، تتداخل الطائفية مع المال السياسي، فتتحول الانتخابات الرياضية والثقافية إلى مرآة للصراع الطائفي والسياسي. وفي العراق، أدى تفكك الدولة إلى سيطرة قوى متنفذة (أحزاب، ميليشيات، رجال أعمال) على مفاصل المؤسسات "الأهلية" كغطاء لنفوذها. وفي سوريا، كانت تمارس السلطة المركزية وصاية محكمة على المنظمات الشعبية، ما يجعل "الولاء" هو معيار التعيين لا "الكفاءة". وإلى حد ما في مصر، فإن ظاهرة "العواصم السياسية" أدت إلى تركيز النفوذ في أيدي قلة من رجال الأعمال المقربين من مراكز القرار، الذين يستخدمون مؤسسات رياضية وثقافية كأدوات لتبييض السمعة أو تحقيق أرباح غير مباشرة. وفي فلسطين، يساهم الانقسام السياسي (الضفة وغزة) في خلق مؤسسات مزدوجة تخضع كل منها لسلطة سياسية معينة، ويصبح الولاء الحزبي هو المفتاح الوحيد للمسؤولية.
هذه البيئة العشوائية خلقت ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الإحباط المقنن": حيث يعلم الأكفاء أن فرصهم شبه معدومة، فيعتزلون العمل العام، أو يهاجرون، أو يرضخون للعب نفس اللعبة القذرة.
والمقدمة التالية تسعى لكشف أبعاد هذه الظاهرة في المجالات الثقافية والرياضية وغيرها، انطلاقاً من دراسات حالة ميدانية في المشرق العربي.
أولاً: مظاهر الظاهرة في المجالات المختلفة
- المجال الرياضي: تحول الملاعب إلى ساحات نفوذ: لم تعد الأندية والاتحادات الرياضية في دول المشرق العربي، مجرد مؤسسات شبابية، بل أصبحت منصات سياسية واقتصادية بامتياز. وذلك ما يمكن ملاحظته من خلال:
- فوز الأسوء إدارياً: مثال ذلك انتخابات أحد الأندية الكبرى في عاصمة عربية مشرقية، حيث فاز مرشح ليس لديه أي خلفية إدارية رياضية، لكنه يتمتع بعلاقات وثيقة مع مسؤولين حكوميين كبار، واستخدم المال لشراء أصوات أعضاء الهيئة العامة عبر توزيع هواتف خلوية وأجهزة كهربائية.
- التدخل السياسي المباشر: في مصر، شهدت انتخابات اتحاد الكرة المصري تدخلات من شخصيات سياسية ونواب برلمانيين لديهم مصالح في شركات رعاية رياضية، ما أدى إلى فوز قائمة تعرف بـ"تكتل المال" رغم وجود قائمة تضم خبراء إداريين قدامى.
- إقصاء الكفاءات: في لبنان، يُمنع مديرون رياضيون أكفاء من الترشح لاتحاد كرة السلة لأنهم لا ينتمون إلى الطائفة المهيمنة على مقعد الرئاسة، حتى لو كانوا أكثر نجاحاً في عملهم السابق.
- المجال الثقافي: تولي الفاشل ثقافياً بدعم متنفذ: المؤسسات الثقافية (كالاتحادات الأدبية، المجالس الوطنية للثقافة، بيوت الشعر، المعارض التشكيلية) تعاني من ظاهرة قيادة الجاهل:
- لبنان: رئيس أحد اتحادات الكتاب ليس لديه أي إصدارات أدبية معروفة، لكنه قريب من وزير سابق، واستخدم النفوذ لتمرير ترشيحه.
- العراق: مدير بيت الثقافة في إحدى المحافظات الجنوبية درس الهندسة، ولم يمارس أي نشاط ثقافي، لكنه مرشح من قبل كتلة سياسية سيطرت على المقاعد الثقافية كغنيمة.
- سوريا: وعلى يد النظام السابق كان يتم تعيين رؤساء فروع اتحاد الكتاب بناءً على "الانتماء الحزبي" لا على الإنتاج الثقافي، مما أدى إلى تهميش المبدعين الحقيقيين ودفعهم إلى النشر خارج الوطن.
- فلسطين (الضفة): رئيس أحد الاتحادات في فروع الفن شخص معروف بولائه السياسي أكثر من لوحاته، ويتولى منصبه لسنوات دون انتخابات حقيقية.
- مجالات أخرى تفصيلية : النقابات المهنية (الأطباء، المهندسين، المحامين): تحولت في مصر نقابة الأطباء إلى ساحة لصراع التيارات السياسية والدينية، حيث يتم انتخاب المجالس بناءً على الولاءات الحزبية لا على البرامج الصحية. ووصل الأمر إلى شراء أصوات الأطباء الشباب عبر وجبات طعام أو مساعدات عينية. وفي العراق، يخضع توزيع المناصب النقابية لنظام المحاصصة الطائفية، فيصل أطباء غير أكفاء إلى رئاسة فروع نقابة بفعل دعم كتلة سياسية معينة.
وفي لبنان فإن المجالس البلدية والمحلية غالباً ما تكون نسخة طبق الأصل عن المجالس النيابية المصغرة، حيث يفرض زعماء الطوائف أسماءهم، ويُنتخب رجال أعمال فاسدون بدعم مالي، ثم يُعيّن أقاربهم وأصهارهم في مناصب إدارية حساسة.
وفي سوريا أبان عهد النظام السابق، على الرغم من الإجراءات المؤسساتية، فإن العشوائية ظهرت في "انتخابات" مجالس المدن التي تُحسم مسبقاً في مكاتب الأمن السياسي.
أما المنظمات غير الحكومية (NGOs): فقد شهدت بعض الدول موجة كبيرة من تأسيس منظمات مجتمع مدني وهمية يستخدمها رجال أعمال ونواب للحصول على تمويل أجنبي، ثم تعيين أقاربهم أو أصدقائهم في مناصب المدير التنفيذي بغض النظر عن كفاءتهم.
ثانياً: الأسباب والعوامل المفسرة – نظرة تركيبية
- ضعف الأطر القانونية الرادعة: معظم القوانين العربية تجرّم شراء الأصوات، لكن عقوباتها (غرامات صغيرة) لا تردع، وإجراءات الإثبات معقدة، وتفتقر النيابات العامة إلى الخبرة في متابعة التلاعب الانتخابي داخل المؤسسات الأهلية.
- فجوة الوعي المجتمعي وثقافة "المعروف": في المجتمعات القبلية أو العشائرية في دول المشرق، لا يزال الاختيار قائماً على "الواسطة" و"السمعة الشخصية" و"الرد الجميل" بدلاً من البرنامج والكفاءة. الناخب غالباً يصوت لمن "أسدى له معروفاً" أو "آواه في محنته"، وليس لمن لديه رؤية لتطوير المؤسسة.
- تغول المال السياسي ورأسمالية المحاسيب: ظهور طبقة من رجال الأعمال الذين وظفوا ثرواتهم لشراء النفوذ السياسي، ثم استخدموا هذا النفوذ للسيطرة على مؤسسات رياضية وثقافية لتكون أندية مغلقة لمصالحهم (صفقات رعاية، عقارات، غسيل أموال).
- غياب الشفافية والرقابة المستقلة: معظم الانتخابات في المؤسسات الأهلية العربية تشرف عليها اللجان المؤقتة التي يشكلها الرئيس السابق أو الوزارة الوصية، وهي ليست محايدة. كما أن غياب كاميرات المراقبة وتوثيق جلسات الفرز يفتح الباب للتزوير.
- الإحباط المجتمعي واللاجدوى: بعد تجارب متكررة من الفشل، يقرر الأكفاء مقاطعة العمل العام أو الترشح، تاركين الساحة للمستمرين في اللعبة. هذا "الإحباط المقنن" يعيد إنتاج الظاهرة دائرياً.
ثالثاً: النتائج والأبعاد السلبية الموسعة على الواقع الاجتماعي في دول المشرق العربي
- أثر تنظيمي وإداري: ويبدو واضحاً في ترسيب الكفاءات حيث لم يعد الطموح لدى الشباب الموهوب هو بناء مؤسسة ناجحة، بل "الوصلية" أو الهجرة. إلى جانب انهيار الخدمات المقدمة جراء تراجع مستوى المنتخبات الرياضية، وإلغاء النشاطات الثقافية الجادة، وتدني الخدمات النقابية. فضلاً عن هدر مالي فادح، من خلال سرقة أموال الأندية والاتحادات عبر عقود وهمية ورواتب صورية لقيادات فاشلة.
- أثر اجتماعي ونفسي: ويبدو من خلال انتشار اليأس واللامبالاة: تراجع المشاركة في الانتخابات الأهلية، وارتفاع معدلات "الغياب السياسي". وكذلك عبر تفكك النسيج المجتمعي حيث تتحول المنافسة المؤسسية إلى صراعات طائفية ومناطقية، كما في لبنان والعراق. إلى جانب كل ذلك يظهر تكريس ثقافة السلبية والنميمة فبدلاً من مناقشة البرامج، تتحول الحملات الانتخابية إلى اتهامات بالخيانة أو الفساد الشخصي. وكذلك ارتفاع مؤشرات الهجرة، أيهجرة الكفاءات الشابة إلى الخليج أو أوروبا هرباً من "فخ المحسوبية".
- أثر اقتصادي: ويبدو من خلال تراجع الاستثمار في الرياضة والثقافة، إذ يبتعد المستثمرون الحقيقيون عن قطاعات تعتبر "مستنزفة". فضلاً عن انتشار اقتصاد الظل حيث تُستخدم المؤسسات الأهلية لتمويل أنشطة غير قانونية (تهريب، غسيل أموال). وهناك زيادة تكاليف الفساد، فلأموال التي تُنفق على شراء الأصوات ورشاوى المسؤولين كانت يمكن أن تطور بنية تحتية رياضية وثقافية.
- أثر سياسي: ويبدو في تراجع شرعية النظم فعندما يرى المواطن أن حتى انتخابات نادٍ رياضي مزورة، يفقد الثقة في أي انتخابات أكبر. وهناك موضوع تأجيج الاحتجاجات الشعبية فقد شهدت دول مشرقية احتجاجات ضد فساد المنظمات الأهلية كجزء من مطالب أوسع. كما حدث انتهاك لحقوق الإنسان، من خلال حرمان الأكفاء من حقهم في تقلد المناصب هو انتهاك مباشر للمواثيق الدولية.
رابعاً: توصيات مُفصلة وقابلة للتطبيق في دول المشرق العربي
- تشريعات رادعة مصممة خصيصاً للمؤسسات الأهلية: تجريم شراء الأصوات بعقوبات تصل إلى السجن وغرامات مالية ضخمة. وإلزام جميع المؤسسات بإجراء انتخاباتها تحت إشراف هيئة مستقلة (قضائية أو حقوقية). مع فرض حد أقصى للإنفاق على الحملات الانتخابية.
- آليات رقابية حديثة: استخدام التصويت الإلكتروني المُوثق في المؤسسات الكبرى. وبث جلسات الفرز مباشرة عبر الإنترنت. وتفعيل دور منظمات المجتمع المدني الراصدة للانتخابات.
- تمكين الأكفاء عبر برامج حماية: إنشاء "صندوق دعم القيادات الشابة" لتوفير الاستشارات القانونية لمن يتعرضون للتهديد. وتنظيم حملات توعية إعلامية لتغيير الصورة النمطية عن "المرشح القوي = الغني".
- إصلاح المنظومة القيمية في التعليم والإعلام: ويتم إدخال مادة "المواطنة والانتخابات النزيهة" في المدارس. وإنتاج مسلسلات وبرامج تظهر العواقب الوخيمة لتولي الفاسدين المسؤوليات.
- بناء تحالفات إقليمية لمكافحة الفساد الأهلي: عبر توقيع مذكرات تفاهم بين دول المشرق لتبادل الخبرات في مراقبة الانتخابات. وإنشاء منصة عربية مشتركة للإبلاغ عن انتهاكات التلاعب الانتخابي.
ختاماً إن استمرار تغول المال والنفوذ على انتخابات المؤسسات الرياضية والثقافية والنقابية في دول المشرق العربي ليس مجرد إخفاق إداري، بل هو مرآة لحالة التخلف السياسي والاجتماعي التي تعصف بالمنطقة. وإن الفجوة بين الأسلوب المؤسسي النظري والأسلوب العشوائي التطبيقي تزداد اتساعاً، مما ينتج مجتمعات تعيش الفصام المؤسسي وذلك من خلال قوانين في الأعلى، وعشوائية ومحسوبية في الأسفل. كما أنه في ظل غياب الإرادة الحقيقية للإصلاح، ستظل الكفاءات العربية تهاجر أو تموت في صمت، وستبقى مؤسساتنا الرياضية والثقافية مجرد أصداء لمشاريع الفاسدين. ونأمل أن تسهم هذه الورقة في فتح نقاش علمي جاد لوضع حلول جذرية تنقذ ما تبقى من النسيج الاجتماعي العربي.







