اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو دلو يكتب: محكمة خاصة

{title}
أخبار الأردن -

 

معاذ وليد أبو دلو

أقر الكنيست الإسرائيلي قبل أيام مشروع قانون يقضي بإنشاء محكمة عسكرية خاصة لمحاكمة الفلسطينيين المتهمين بالمشاركة في أحداث السابع من (أكتوبر) 2023، أو باحتجاز الرهائن في قطاع غزة، وفق المزاعم الإسرائيلية. وتمنح هذه المحكمة صلاحيات واسعة قد تصل إلى إصدار أحكام بالإعدام بحق المحكوم عليهم، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية وحقوقية عميقة حول مدى انسجام هذا التوجه مع قواعد القانون الدولي والنظم الدستورية وحقوق الإنسان والمعايير المستقرة للمحاكمة العادلة.
 

إن إنشاء محاكم استثنائية ذات طابع عسكري لمحاكمة مدنيين أو أشخاص واقعين تحت الاحتلال يعد من أكثر المسائل إثارة للجدل في الفقه القانوني الدولي، لا سيما عندما تكون تلك المحاكم مرتبطة بسلطة قائمة بالاحتلال أو طرفًا مباشرًا في النزاع. فالقانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، أكد ضرورة توفير ضمانات قضائية حقيقية للأشخاص الواقعين تحت الاحتلال، بما يشمل حقهم في محاكمة عادلة ومستقلة ومحايدة، وحق الدفاع، وعدم إخضاعهم لإجراءات انتقامية أو استثنائية، من خلال مواد عديدة منها (3 و 5 و64 و72) الخ.
كما أن المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية نصّت بشكل واضح على حق كل إنسان في المثول أمام محكمة مختصة مستقلة ومحايدة منشأة بحكم القانون، وعلى ضمان افتراض البراءة، وحق الدفاع، وعلنية المحاكمة، وعدم التمييز بين المتقاضين. ومن هنا، فإن تشكيل محكمة عسكرية خاصة ذات اختصاص انتقائي ضد فئة محددة من الفلسطينيين يثير مخاوف جدية من تحول العدالة إلى أداة سياسية ذات طابع انتقامي، بعيدًا عن المبادئ الأساسية للعدالة الجنائية الدولية.
وتتزايد هذه المخاوف في ظل وجود توجهات سياسية إسرائيلية سابقة لإقرار قوانين تتعلق بإعدام الأسرى الفلسطينيين، الأمر الذي يعكس نزعة تشريعية متشددة تسعى إلى تكريس العقوبات القصوى ضمن بيئة نزاع مسلح معقدة. كما أن فرض عقوبة الإعدام في سياقات النزاع والاحتلال يواجه انتقادات واسعة من المؤسسات الحقوقية الدولية، خاصة في ظل غياب الضمانات الكاملة للمحاكمة العادلة، واحتمالية التأثر بالاعتبارات السياسية والأمنية والإعلامية.
وعلى صعيد القانون، فإن مبدأ عدم التمييز يعد من المبادئ الأساسية الراسخة في المواثيق الدولية، بما في ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقيات جنيف. وبالتالي، فإن أي محكمة تقوم على أساس التمييز القومي أو السياسي أو تُنشأ لمحاكمة طرف واحد من أطراف النزاع دون مساءلة متوازنة لبقية الانتهاكات المرتكبة، فإنها تفتقد إلى الحياد القضائي المطلوب، وتُضعف الثقة بمفهوم العدالة الدولية.
كما أن العديد من التقارير الدولية الصادرة عن منظمات حقوقية وهيئات أممية تحدثت عن وجود انتهاكات جسيمة ارتُكبت بحق المدنيين في قطاع غزة، بعضها قد يرقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية وفق نظام المحكمة الجنائية الدولية. ومن ثم، فإن محاولة فرض تشريعات استثنائية أو محاكم خاصة قد يُنظر إليها باعتبارها محاولة لإعادة توجيه الاهتمام الدولي بعيدًا عن الانتهاكات الواسعة المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، بدلاً من الالتزام بمبادئ العدالة الدولية الشاملة والمتوازنة.
إن العدالة الحقيقية لا يمكن أن تتحقق من خلال محاكم استثنائية أو إجراءات أحادية الجانب، وإنما من خلال احترام القانون، وضمان حقوق الإنسان، وتوفير محاكمات عادلة ومستقلة تخضع للرقابة القانونية الدولية، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الانتقامية. 
احترام حق الدفاع وكرامة الإنسان ومبادئ العدالة يبقى حجر الأساس لأي نظام قانوني يدعي الالتزام بسيادة القانون والقيم الإنسانية.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية