العايدي يكتب: أزمة الخطاب الإسلامي (3): صناعة التدين الرقمي.. من يضبط البوصلة؟
د.محمد صبحي العايدي
الخطاب الديني اليوم يأخذ مساحة كبيرة في الفضاء الرقمي، قد يراه البعض انتصاراً للدين، وقد يراه آخرون بأنه تسطيح للمعرفة، حيث لم يعد يقاس الدين بعمق الفكرة، بل بسرعة الانتشار، ولم تعد المرجعية للأعلم بشؤون الدين، بل للأقدر على صناعة التفاعل، وبهذه الطريقة انتقل الدين من مجال «الفهم العلمي» إلى مجال «التغذية الرقمية»، حيث يصل الصوت الأكثر انتشاراً وإثارة، لا الأكثر علمية ورصانة.
وهنا تتغير طبيعة الخطاب نفسه، فبدل أن يكون منضبطاً بأصول الفهم ومقاصد الشريعة، أصبح خاضعاً لقواعد التسويق الإلكتروني، «ريلزات» تنتشر بلا معنى، تعتمد على عناوين صادمة، ومحتوى ديني يستهلك كما يستهلك بقية المواد الترفيهية، لتأخذ حيزاً واسعاً من التفاعل والإثارة، ويتحول الداعية كغيره من صانع وعي إلى صانع محتوى، ويصبح قيمة الخطاب بما يحققه من تفاعل، لا بما ينتجه من معرفة.
إن الخطر لا يكمن في استخدام التكنولوجيا، بل في إعادة تشكيل الأولويات المعرفية دون وعي، حيث يكثر الحشو بمسائل دينية هامشية لأنها الأكثر جذباً وانتشاراً، بينما تتراجع القضايا العميقة المرتبطة ببناء الوعي والعمران والإنسان لأنها أقل إثارة، فنجد الإغراق في الجدل حول بعض الجزئيات الشكلية كاللباس والمظاهر، أو تحويل مسائل الخلاف الفقهي إلى معارك «ترند» كقضايا الموسيقا أو الصور أو بعض الجزئيات المرتبطة بالمرأة، مع غياب التأصيل المنهجي والسياق الواقعي، أو التركيز على قصص السحر والشعوذة والجن وعلامات الساعة بصورة شعبوية تثير الخوف والفضول أكثر مما تبني وعياً دينياً متزناً، أو صناعة محتوى قائم على التخوين والتبديع والتصنيف للمخالف. وفي الوقت نفسه تهمش قضايا كبرى كالأخلاق العامة، والعدالة، وبناء الأسرة، والوعي الاقتصادي والاجتماعي، وأدب الاختلاف، وفقه الدولة والمواطنة. وهكذا يعاد ترتيب الدين في الوعي العام، لا وفق سلم أولويات الشريعة ومقاصدها الكلية، بل وفق منطق «الأكثر مشاهدة»، هذا الحشو المعرفي المستمر ينتج صورة مشوهة عن الدين، حيث يظهر بأنه منفصل عن حياة الناس وحاجاتهم وقضاياهم الكبرى.
ومن زاوية أصولية مقاصدية، فإن هذا التحول يمس جوهر مناط خطاب التكليف، حيث لم يعد يستهدف هذا الخطاب زيادة الوعي بقضايا المجتمع التي توجه سلوك الناس وتعاملاتهم وقيمهم وأخلاقهم، بل يصبح المراد كيف يصاغ الخطاب الديني ليستهلك؟ وبهذا تنقلب موازين الفتوى من التحقيق العلمي إلى ما يلائم الخوارزميات، ومن تحرير المناط إلى تحرير المحتوى.
وأما سياسياً واجتماعياً، فقد أفرزت البيئة الرقمية نوعاً جديداً من السلطة الناعمة، وهي سلطة المنصة حيث تتشكل منظومات تأثير قد تستغل أيديولوجياً للإساءة للمجتمع والدولة ومؤسساتها، بل ومشككة في كل ما يخالف أجندتها الخاصة، لتغذية الانقسام والتشكيك، وخلق الاستقطاب، باسم الدفاع عن الدين أو الحقيقة.
إن إعادة الاعتبار للخطاب الديني في هذا السياق لا يعني رفض التعامل مع التقنيات الحديثة، بل بناء وعي علمي منهجي قادر على التعامل مع «فقه الوسائط»، بحيث يبقى الخطاب محافظاً على عمقه العلمي في خضم خوضه للفضاء الرقمي، ولا يفقد مقاصده وهو يتحرك داخله بسرعة، فالمشكلة تكمن في غياب المنهج الذي يضبط حضور الدين، لا في التقنيات نفسها.
ولهذا إن مواجهة حالة السيولة التي أصابت الخطاب الديني لا يمكن أن تقوم على منطق تقييد الحريات، بل عبر استعادة «هيبة التخصص» بإسناد الخطاب إلى مؤهلين علمياً، وتنشيط دور المؤسسات الدينية بوصفها مرجعيات علمية منهجية ضابطة، في مقابل الخطاب العشوائي الذي قد يمس الأمن الفكري للمجتمع باسم نشر الحقيقة، وهذا يقتضي بناء منظومات موثوقة تنتج محتوى رصيناً ينافس الفوضى، بدل الاكتفاء بردود الأفعال، وبناء خطاب رقمي مؤسسي قادر على فهم بيئة الخوارزميات والتأثير فيها، وهذا يتطلب منا إدخال «فقه الإعلام الرقمي» و»أخلاقيات النشر الديني» ضمن برامج التأهيل في الجامعات والمؤسسات الدينية، بحيث لا يبقى التعامل مع المنصات مجرد اجتهاد فردي، بل ننتقل إلى الممارسة المنهجية المؤطرة.
وفي الوقت نفسه لا يمكن إغفال الحاجة إلى تنظيم قانوني وأخلاقي يضع حدوداً واضحة للخطاب الديني، لحماية المجال العام من التضليل، خاصة فيما يتعلق بخطابات التكفير والتخوين، أو لغة الاصطفاء والإقصاء التي تمارسها بعض الجماعات الدينية، ليكون هذا التنظيم أسوة ببقية التخصصات الحساسة التي تتعلق بالقانون والصحة والمال.

