الرنتاوي يكتب: ما الذي يريده ترمب من لبنان لأجل شريكه "الرائع"؟

{title}
أخبار الأردن -

 

كتب: عريب الرنتاوي، المستشار الأول، ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية

 

ليس ثمة من خيارات سهلة تنتظر لبنان...لا الدولة تتمتع بترف الانتقاء من بين خيارات وسيناريوهات متعددة، ولا حزب الله، لديه بدائل أفضل من تلك التي يختبرها بالدم والنار هذه الأيام، جُلّ ما يمكن التفكير فيه، في هذا البحر المتلاطم من الصراعات والاستقطابات الحادة، لا يتخطى استحداث بعض الاستدارات والتعديلات الطفيفة على مقاربات الأطراف، بحثاً عن "مشتركات" تبدو ضائعة في لُجّة الانقسام في كل شيء وحول كل شيء.

لا تستطيع الدولة اللبنانية إدارة ظهرها لخيار الدبلوماسية والتفاوض، في الوقت الذي تلوذ فيه الأطراف الدولية والإقليمية المقتتلة (إيران والولايات المتحدة) بـ"مسار إسلام آباد"، ومفاوضاته المباشرة وغير المباشرة، والحروب على اتساعها تنتهي غالباً على موائد التفاوض...ولا أحسب أن أحداً في لبنان، بمن في ذلك حزب الله و"الثنائي الشيعي"، يعارضان من حيث المبدأ، الانخراط في تفاوض مع إسرائيل، وإن كانا يريدانها مفاوضات غير مباشرة، ولا هما من السذاجة بحيث يطالبان باستبعاد "الوسيط" الأمريكي، وإن كانا يطالبان بتوسيع مروحة الوسطاء، واستدخال أطراف إقليمية ودولية، أكثر اتزاناً وتوازناً في مقارباتها للأزمة اللبنانية، إن في بعديها الداخلي، والأهم في بعدها المتصل بالعدوانية الإسرائيلية المتفلّتة من كل قيد وعقال.

وزاد طين الأزمة التي تعتصر لبنان الرسمي بِلّةً، إصرار الرئيس الأمريكي الشغوف بالاستعراضات واللقاءات الاحتفالية على ترتيب لقاء بلا تمهيد، بين مجرم حرب مطارد في مختلف عواصم العالمية، بموجب مذكرة جلب من "الجنائية الدولية، يداه ما زالتا تقطران بدماء اللبنانيين، ورئيس يجلس فوق فوهة بركان من الانقسامات السياسية والمذهبية والطائفية، محاطاً بركان الخراب والدمار وصور ألوف الشهداء والجرحى الذين سقطوا بالسلاح الأمريكي، المستخدم من دون قيد أو شرط، من قبل أكثر جيوش العالم انحطاطاً من الناحيتين العقائدية والأخلاقية.

مصافحة مسمومة

الضغط الأمريكي على الرئيس جوزيف عون لمصافحة نتنياهو في البيت الأبيض، حتى قبل أن تلتئم مائدة المفاوضات، ينم عن أمرين اثنين: جهل مصحوب بخفّة وعدم اكتراث بمصالح اللبنانيين وحساسياتهم، وحرص جامح على "تعويم" بنيامين نتنياهو، الذي ما انفك ترامب يمنحه دعمه واحتضانه، إلى الحد الذي سمح لنفسه معه، التدخل في القضاء الإسرائيلي ومهاجمة رئيس الدولة المتردد في منح العفو غير المشروط، عن رئيس حكومة، تطارده الاتهامات بالفساد والرشوة وإساءة الأمانة.

مصير لبنان ومصائر اللبنانيين، أمن البلاد واستقرارها، مخاطر اندلاع حرب أهلية وصدامات بين الدولة والحزب...كل هذا أقل أهمية من منظور ساكن البيت الأبيض، مقارنة مع "صورة نصر" ينصعها لنفسه، ويقدمها على طبق من فضة لشريكه "الرائع" في الحرب غير الشرعية، وغير المبررة، على إيران.

وحسناً فعل الرئيس عون، حين أصغى لنصائح بعض اللبنانيين وبعض الوسطاء العرب (الرياض والقاهرة بشكل خاص)، وعبّر عن رفضه المشاركة في "جلسة التصوير" في البيت الأبيض، لكن هذه التطور، على أهميته، يبقى "دعسة ناقصة"، ما لم يُستكمل بموقف يضع سلاح حزب الله في سياق لبناني داخلي، ولا يسمح للسردية الأمريكية – الإسرائيلية التي تسعى في التبشير بولادة حلف جديد: واشنطن وتل أبيب وبيروت، في مواجهة الحزب والمقاومة، ومن تتبع وقائع جلسة المحادثات الثانية في البيت الأبيض، وبيان الخارجية الأمريكية حول تمديد وقف إطلاق النار، لاحظ من دون عناء، أن هذه "السردية" تنهض على تقديم الحزب بوصفه "عدواً مشتركاً" للبنان وإسرائيل والإقليم والعالم، وأن هذه الروحية هي التي يتعين أن تدور المفاوضات تحت ظلالها.

تلكم بداية خاطئة، إن لم نقل كارثية، لأي مسار تفاوضي بين اللبنانيين والإسرائيليين، سيما وأن هناك في تل أبيب، من يعتقد بأنها قد تفتح باباً لـ"شرعنة" العدوان الإسرائيلي على لبنان، بل وينتظر يائساً، لحظة قيام أطراف لبنانية، والأفضل أن تكون رسمية، باستدعاء "الحماية الإسرائيلية"، في استعادة مقيتة لما حصل في سني الحرب الأهلية، وصولاً لاجتياح العام 1982 واحتلال بيروت، وهو احتمال يبدو متعذراً في المدى المرئي على أقل تقدير.

يمكن للبنان أن يشرع في تصحيح المسار، والعودة إلى فكرة "التفاوض غير المباشر"، وإن كان لا بدّ من مفاوضات مباشرة، فلتكن على المستوى العسكري والفني، والدبلوماسي خفيض المستوى، والذي قد يتطور ويرتقي بتطور المفاوضات، وحال وصولها لنتائج تحفظ للبنان حقوقه ومصالحه السيادية التي يكاد يجمع عليها، اللبنانيون من مختلف الأطراف.

ويمكن للبنان، أن يكثف جهوده على مسارات متوازية ومتزامنة عديدة، وعدم الاكتفاء بوضع "99.9 بالمئة" من أوراق الحل بيد واشنطن، فالأخير هي جزء من المشكلة وليست جزءاً من الحل، في لبنان كما في فلسطين وإيران وعموم المنطقة، والدبلوماسية اللبنانية مطالبة بالتفكير بكيفية الاستفادة من "مسار إسلام آباد"، لا لجهة وضع الملف اللبناني في يد المفاوض الإيراني، فهذا ضرب من الخيال، ولا أحسب أن عاقلاً في طهران، يمكن أن ينتظر نتيجة كهذه، وأن تسعى في استحضار وتفعيل ثلاثي الوساطة العربية-الإسلامية الذي "اشتغل" على ملف غزة، وأن تتحرك بقوة لتفعيل مجموعة الثمانية العربية-الإسرائيلية، وأن تستدخل إليها أطرافاً أوروبية صديقة للبنان، ومتفهمة لحقائق المشهد اللبناني بالغة التعقيد، والأهم من كل هذا وذاك، أن تبدد مظاهر الاستقطاب الداخلي، وتعمد إلى تفتيح قنوات الحوار الوطني، فلا أحد يذهب إلى جبهة مواجهة مع العدو، عسكرياً أو دبلوماسياً، بجبهة داخلية منقسمة على نفسها، وتقف على شفا حفرة من حرب أهلية.

السلاح في سياقه الوطني

في المقابل، يتعين على الحزب، وهو يخوض واحدة من أشرس معاركه مع الاحتلال، أن يدرك بأن الاستقواء بمسار إسلام آباد، أمرٌ قد يكون مفيداً له وللبنان، ولكنه ليس بديلاً عن مسار "استعادة زمام المبادرة بيد لبنان، وأن يضع سلاحه في خدمة الأهداف الأربع الكبرى التي يتوافق بشأنها معظم اللبنانيين: انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة، عودة النازحين إلى بلداتهم بما فيها قرى الحافة الأمامية تزامناً مع مسار إعادة الإعمار، وقف الانتهاكات والتعديات بالكامل، وتحرير الاسرى.

يدرك حزب الله بلا شك، أنه باستثناء إيران، وأقل من نصف اللبنانيين، فإن بقية الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، لن ترتضي العودة إلى ما قبل السابع من أكتوبر، وأن مواقفها تراوح ما بين استئصال الحزب واقتلاعه من جذوره (إسرائيل والولايات المتحدة) والبحث عن "حلول سياسية" لسلاح الحزب من خلال إحياء اتفاقيات الهدنة (وإن معدلة بعض الشيء)، وإدماج الحزب بصورة أكبر في النظام اللبناني، تحت سقف اتفاق الطائف، وبعد تطبيقه بمختلف مندرجاته، كما هي مواقف بقية اللاعبين.

الحزب ما زال يقاتل للبرهنة على جدية وجدوى سلاحه، وقدرته على تحقيق وظائفه التاريخية الثلاث: الحماية، الردع والتحرير، لكنه يفعل ذلك بشروط أصعب بكثير من تلك التي عاشها ومرّ بها طيلة العقود الأربعة الفائتة، وهو إذ يبلي بلاء حسناً، بل ومفاجئاً في ميادين المواجهة مع جيش الاحتلال، إلا أنه يقف على عتبات مفترق إقليمي حاسم: ماذا لو أبرمت إيران اتفاقاً مع واشنطن لإنهاء الحرب عليها، وماذا لو نجحت في تعميم هذه الاتفاق على مختلف "المسارات المتلازمة"، وفي المقدمة منها لبنان، كما تطالب رسمياً وعلنياً...ما الدور الذي سيبقى للسلاح لبنانياً، إن أمكن تحقيق الأهداف الأربعة موضع الإجماع، سيما بعد أن انتفى الدور الإقليمي لهذا السلاح، أو يكاد؟

من حق الحزب، ومن واجب الدولة، النظر بعين الحذر والشك، لما تستبطنه الاستراتيجية الإسرائيلية للبنان، من حقه ومن واجب الدولة، عدم الركون لعهود وتعهدات فضفاضة، ينتهي مفعولها قبل أن يجف حبرها، من حقه الركون إلى دعم طهران، لكن من واجبه توسيع مروحة الخيارات المتاحة أمام الدولة في حراكها السياسي والدبلوماسي، وإن بوضع ضوابط ومحددات متفق عليها لهذا الحراك.

ومن واجب الدولة، أن تستنهض دبلوماسيتها، لتكون دبلوماسية "دولة" لا دبلوماسية فريق يتولى حقيبة الخارجية، من واجبها تفعيل مسارات التحرك على خط القاهرة-الرياض-الدوحة- أنقرة- إسلام آباد- باريس وغيرها، وعدم الركون إلى "الوسيط الأمريكي" التي تكاد تنعدم الفواصل بينه وبين المحتل الإسرائيلي ... من واجب الدولة، تفادي الانزلاق في مقامرات غير محسوبة، فلبنان اليوم، ليس مصر عشية زيارة السادات لإسرائيل، ودرس "أوسلو" وما قبله وما بعده، يجب أن يظل ماثلاً أمام ناظريها، وثمة الكثير مما يمكن تعلمه من تجربة الوساطة الأمريكية المزعومة في غزة.

من واجب الدولة أن تُطمئن المقاومة، بأنها ليست في الخندق الآخر في كل الحالات، وأن تختار مفاوضيها من بين شخصيات تعبر عن "الدولة"، منطقها ومصالحها، وليس من بين أطراف وأفرقاء، يكنون من العداء للحزب وبيئته وتجربته ومرجعياته، ما يكفي لاستقرارهم في الخندق الآخر.

لا خيارات سهلة أمام الدولة والحزب، ولا بديل عن حوار وطني يرسم معالم خريطة طريق للخروج من الاستعصاء، ولا ينبغي للبنان أن يفوّت بانقساماته الداخلية، ما يمكن أن يكون بداية نهاية لدرب الآلام الذي سار عليه منذ نصف قرن أو يزيد.

 

 


 

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية