وليد عبد الحي يكتب: التغلغل الاستخباري في الأحزاب السياسية العربية
وليد عبد الحي
تقول المصادر التاريخية أن المصريين القدماء هم اول من عرف ظاهرة ما يسمى العيون (العسس او جمع المعلومات الامنية وما شابه ذلك) وبخاصة في زمن رمسيس الثاني( 1213 قبل الميلاد)، لكن كتاب (The Art of War) الضخم الذي وضعه "صن تسو"( في القرن السادس قبل الميلاد) يُعد اول تنظير منهجي لفكرة التجسس واختراق الخصوم، فقد غطى صن تسو موضوع الجواسيس والعملاء المزدوجين والاختراق والعمل السري في فصل خاص من كتابه(الفصل الأخير رقم 13 )، وقد قسم الجواسيس الى خمسة ، لكن الملفت للنظر انه سمى النوع الرابع (الجواسيس الهالكون اي الذين يتم التضحية بهم للتضليل) والنوع الخامس (الجواسيس الاحياء الذين يعودون بمعلومات)، كما عرفت الامبراطورية الاخمينية الفارسية ذلك (550 قبل الميلاد) من خلال ما يسمى " عيون وآذان الملك"، وكان النازع المركزي لعمل هذه "الحواس السياسية" هو ضمان الولاء السياسي، كما عرفت الامبراطورية الرومانية هذا النشاط ولكن غير المؤسسي، بينما عرفت الحضارة الاسلامية ذلك واقرب ما يكون للنشاط المؤسسي في فترات من الدولة العباسية، اما اول نشاط استخباري حديث فقد تم مع انشاء الشرطة السرية الفرنسية ( زمن جوزيف فوشيه)(القرن الثامن عشر الميلادي)،ثم الشرطة السرية القيصرية ثم المخابرات البريطانية المعروفة (MI6) ، واصبح الآن لكل دولة في العالم جهازها الاستخباري بما ذلك دولة الفاتيكان التي يُشار لجهازها الاستخباري باسم " الكيان " رغم ان عدد سكان الدولة حوالي 850 شخصا فقط.
اما الاحزاب السياسية التي يتداخل مفهومها مع اي تنظيم تاريخي يسعى للاستيلاء او الوصول للسلطة، فان ظهورها يترافق مع ظهور الصراع على السلطة، لكن مفهوم الاحزاب بالمعنى المعاصر(كما يعرفه موريس ديفرجيه) بدأ في الربع الاخير من القرن الثامن عشر، بينما نشأ اول حزب عربي في مصر بعد ذلك بحوالي 238 سنة وهو الحزب الوطني المصري.
ذلك يعني ان العرب عرفوا الدولة قبل العالم لكنهم عرفوا الاحزاب بعد العالم في الأعم الغالب، ومن هنا تبدأ المشكلة في ان تقاليد الدولة والسلطة اعمق كثيرا من تقاليدنا الحزبية، لذا نظرت الدولة والسلطة للحزب "كمنافس ينازعها مكانتها" ،فكانت فكرة نهشها من خارجها وداخلها، وإذا كانت فكرة النهش الداخلي قديمة ، فان تروتسكي كان اول من قدم تنظيرا للتغلغل والنهش الداخلي في الاحزاب تحديدا، وهو ما اتضح في دوره في وضع مصطلح التغلغل او ما اصبح معروفا في الادبيات الانجلوسكسونية ب "Entrism".
وإذا كانت الحزبية في العالم –بشكل عام- هي توسيع للفضاء الليبرالي ولمساحة البدائل للسياسات ، فانها في العالم العربي تتمحور حول " تثبيت اركان السلطة القائمة" او " التغلغل داخلها لتكييف توجهاتها نحو غايات ابقاء السلطة في موقعها او اجهاض اي نزوع لمزاحمة السلطة داخل هذه الاحزاب" من ناحية او العمل على تغيير السلطة ليحل محلها ويعود لنفس الممارسات البنيوية ، واهم ادوات ذلك هو التغلغل داخل هذه الاحزاب.
ويمكن تحديد مظاهر التغلغل الرسمي في الجسد الحزبي من خلال:
أ- الدفع بموالين للسلطة ( من البراغماتيين) الى مواقع قيادية في الاحزاب.
ب- توظيف الابتزاز لقيادات حزبية مقابل مسايرة الدولة في توجهاتها
ت- تشجيع الانشقاقات الداخلية بخاصة في الاحزاب الاكثر تهديدا للسلطة.
ث- وضع قواعد حكومية تنص على قيود مالية او اعلامية تجعل فعالية الحزب اقل
ج- التدخل في الانتخابات –إذا كان هناك انتخابات- لضمان توجيه النتائج.
ح- تشكيل نخب ثقافية وسياسية مفتعلة تتمركز حول توظيف الطموح الفردي الطبيعي وتحويله "لأوهام المكانة المرموقة"، وهو ما يعني استغلال الطموح الفردي لتعزيز آليات السيطرة لا لتنمية آليات الانجاز.
ومن المؤكد ان نجاح الانظمة العربية في التغلغل هو احد معوقات التطور السياسي، لان استراتيجية الاحزاب تتم لا من خلال تغذية رسمية بل من خلال "تسميم" غذائي تقوم به السلطات بقدر ييسر التغلغل، فالطبيعة الامنية للنظم السياسية العربية تجعل التطور رهين امن النظام لا امن المجتمع او الدولة، ولعل تواتر الانقلابات العسكرية والتغلغل الخارجي جعل الانظمة العربية مسكونة بهاجس "الخوف من خلعها"، لذا تذهب الانظمة العربية الى التغلغل في الاحزاب كوقاية او كاجراء استباقي ، او الاختراق لتوجيه الاحزاب في اللحظات الحرجة(كما فعل تروتسكي مع الاحزاب الاوروبية)، او من خلال احزاب معارضة "مصنوعة" كأدوات لتنفيس الاحتقانات الدورية والمفاجئة، او لرسم صورة ايجابية للنظام ، وربما لتسعير النزاعات بين اطراف المعارضة ذاتها.
ان النتائج المترتبة على كل ما سبق تعني "استقرار سياسي وهمي وقصير الاجل"، لان التطور فعل عقلاني يتسع لمشاركة واسعة تجعل من مصالح المجتمع والدولة تعلو على مصالح النظام السياسي، فالنظم السياسية هي ادوات لخدمة المجتمع والدولة وليس العكس.
واللافت للنظر ان التكنولوجيا الحديثة والمعاصرة جعلت ادوات التغلغل اكثر خطورة وفاعلية، فالانظمة اضحت توظف الاعلام الرقمي والشبكات العابرة للحدود وفيضان المعلومات والتحول نحو اللامركزية ، وهو ما يدفع الانظمة للعمل على توظيف هذه التطورات لصالح الانظمة لا لصالح المجتمع والدولة.
وتشير دراسات عديدة الى موضوع علاقة الارتباط بين وتيرة التغلغل وبين رواج ثقافة الفساد الاداري والسياسي والاجتماعي، فالفساد يوفر بيئة ملائمة للتغلغل لانه يعزز ضعف معايير التنظيم ،ويوسع ثقافة البراغماتية النفعية على حساب الالتزام العقائدي ، بل ان التغلغل نفسه ينتج فسادا يتغذى عليه من خلال تنامي الاقتصاد السياسي للولاء والاقتصاد الريعي السياسي ، فتتحول الاحزاب من ادوات تمثيل للقوى والبدائل الآيديولوجية الى أدوات توزيع للمنافع الفردية ، بل ان بعض الدول العربية خرقت حدود اللياقات الاجتماعية بتحويل الفنانات الى ادوات تغلغل ،وهنا يتضح ان تطوير مكانة المرأة للمساهمة في التطور العام تحول الى إفساد اخلاقي وتشويه لمفهوم الفن والادب في دوره للرقي الوجداني، ولما كانت الدول العربية دون استثناء تقع ضمن ذيل القائمة في معدلات الشفافية في كافة نماذج القياس ،فان ذلك يعزز آليات بيئة التغلغل وبالتالي تعزيز امن النظام السياسي على حساب امن المجتمع والدولة ،وتكون الاحزاب هي الدورق الذي يتم سكب " خمر التطور" فيه .؟
إن الاوهام التاريخية والاوهام العصرية هي الاسس التي تقوم عليها الانظمة السياسية العربية، وتواصل هذه الانظمة تعزيز هذه الاوهام من خلال " التغلغل " في كل ما يمكن ان يزعزع تلك الاوهام.. هل انا بحاجة هنا ل"ربما" ؟







