الطويقات يكتب .....أنا فيصلاوي… مبارك للحسين إربد
بقلم الدكتور أجمل الطويقات
ثمّة أشياء تبدأ بريئة كأغنية في مدرّج، وتنتهي ـ إن تُركت بلا وعي ـ كشقّ صغير في جدار البيت الواحد. هكذا تبدو بعض مباريات دوريّنا الأردني في السنوات الأخيرة؛ لم تعد مجرّد تسعين دقيقة من الركض خلف كرة، بل تحوّلت أحيانًا إلى امتحان عسير لأخلاقنا الجمعيّة، وإلى مرآة تكشف ما تراكم في الزوايا المعتمة من تعصّب وضيق أفق وانكماش في معنى الهويّة الوطنيّة الجامعة.
وأنا ـ نعم ـ فيصلاويُّ القلب، وُلدت على لون الأزرق كما يولد حنين الفلاح على كروم الزيتون، لكنّني لم أفهم الرياضة يومًا بوصفها متراسًا للحرب، ولا راية لإلغاء الآخر. فالتشجيع الحقيقي يشبه الحب الناضج؛ يمنحك الانتماء دون أن يسلبك أخلاقك، ويجعلك تهتف لفريقك دون أن تلعن وطنك، أو تُهين مجتمعك، أو تُقسّم الناس إلى قبائل كرويّة متناحرة.
الرياضة، في أصلها، مساحة تهذيب للنفس، لا حفلة شتائم جماعيّة. هي درس في قبول الخسارة قبل الاحتفال بالنصر، وتربية على المصافحة بعد صافرة النهاية، لا على تبادل الأحقاد، كأنّنا في حرب داحس والغبراء لكن برعاية الاتّحاد الرياضي!
غير أنّ المشهد أخذ يتدحرج ـ ككرة ثلج ضيّقة الأفق ـ نحو تخندقات مناطقيّة وهويّات فرعيّة، حتى غدا بعض المشجّعين يتعاملون مع المباراة وكأنّها معركة تحرير كبرى، لا مباراة كرة قدم تُقام مساء الجمعة وتنتهي قبل نشرة الطقس. ولعلّ بعض الأهازيج الشعبيّة التي ضخّها ـ بحسن نيّة أو بغير قصد ـ عدد من فنّانينا الكبار، مثل عمر العبداللات والمرحوم متعب الصقار، قد أسهمت في تشكيل ذائقة عاطفيّة مشحونة، انتقلت من باب الفن إلى باب الفرز الاجتماعي الضيّق، فاختلط التصفيق للأغنية بالتصفيق للهويّة الجزئيّة، وضاع بينهما المعنى الأوسع للأردن.
وما يقلق حقًّا أنّ جيلًا جديدًا نشأ وهو يتلقّى وعيه من خارج أسوار المدرسة والأسرة، عبر شاشات صغيرة لا تنام؛ من مقاطع عابرة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومن بعض الأعمال الدراميّة ـ وخصوصًا المصريّة منها ـ التي أعادت تقديم “البطل” في هيئة الرجل السوقي العابث، ذي الصوت المرتفع، والألفاظ الخشنة، والحضور الفجّ الذي يفرض نفسه بالصراخ لا بالقيمة. حتى غدا بعض الناشئة يظنّون أنّ الهيبة تُقاس بكمّيّة الشتائم، وأنّ “الجدعنة” تمرّ عبر الاستهزاء بالقانون والذوق العام، لا عبر احترام الناس والالتزام بالأخلاق.
ولعلّ الأخطر من ذلك أنّ هذه الشخصيّات الدراميّة لم تَعُد تُقدَّم بوصفها نماذج منحرفة ينبغي الحذر منها، بل جرى أحيانًا تلميعها وتصديرها كأبطال شعبيّين يمتلكون الكاريزما والقبول، فتسرّبت هذه الصورة إلى المدرّجات والشوارع ولغة الحوار اليومي، حتى بات بعض الشبّان يقلّدون نبرة الصوت والحركات والانفعالات ذاتها، وكأنّ المجتمع كلّه يتحوّل بالتدريج إلى مشهد طويل من مسلسل صاخب، يعلو فيه الضجيج ويغيب المعنى.
ويا للعجب! كيف تحوّلت بعض المدرّجات إلى منصّات استعراض للفوضى؟! ما هذه “الموضة” الجديدة في خلع القمصان والتلويح بها، كأنّ الجماهير في نهائي مصارعة حرّة لا في مجتمع له أعرافه وقيمه؟! وما هذه السوقيّة التي تتطاير من بعض الحناجر، كأنّ الشتيمة باتت جزءًا من خطّة اللعب؟! حتى خُيّل لبعضنا أنّ الفوز الحقيقي ليس تسجيل هدف، بل تسجيل أكبر عدد ممكن من الإساءات في مرمى الأخلاق!
قد يقول قائل: “يا رجل، إنّها مجرّد كرة قدم!”، لكنّ الأوطان لا تتصدّع دفعة واحدة؛ تبدأ الفكرة نكتة، ثم هتافًا، ثم عادة، ثم تتحوّل مع الوقت إلى حالة اجتماعيّة يصعب اقتلاعها. وما نخشاه اليوم ليس خسارة مباراة، بل خسارة ذلك الخيط الرفيع الذي يشدّ أبناء الوطن إلى بعضهم مهما اختلفت ألوان قمصانهم وهتافاتهم.
لذلك، فنحن بحاجة إلى مراجعة شاملة، لخطط اللعب، وتركيبة الأخلاق العامّة. وبحاجة إلى فلسفة إعلاميّة جديدة تُعيد للأردن ألقه القديم؛ ذلك الأفق الرحب الذي قامت عليه الدولة الأردنيّة منذ نشأتها سردية أصيلة، يوم كانت رسالة الثورة العربيّة الكبرى مشروعًا أخلاقيًّا وقوميًّا يتّسع لجميع العرب، لا منصّة للهويّات الضيّقة والتصنيفات الصغيرة. نحن بحاجة إلى خطاب ثقافي وفنّي وإعلامي يُعيد الاعتبار لصورة الإنسان المهذّب، لا “البطل المشاغب” الذي يربح التصفيق ويخسر المجتمع.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من الجماهير الغاضبة، بل إلى مزيد من المودّة بين أبناء الشعب الواحد. نحتاج أن نفهم أنّ الفريق الذي نشجّعه ليس بديلًا عن الوطن، وأنّ المدرّج ليس خندقًا، وأنّ الخصم الرياضي ليس عدوًّا وجوديًّا ينبغي شطبه من الخارطة.
نعم، أنا فيصلاويّ حتى النخاع، وسأبقى أحب الفيصلي كما أحب الأزقّة القديمة ورائحة القهوة في صباحات عمّان، لكنّ هذا الحب لا يكتمل إلا حين يتّسع للآخرين، وحين يبقى الأردن فوق الجميع، أكبر من هتاف عابر، وأبقى من نتيجة مباراة.
وللإنصاف، فقد استمتعت ليلة أمس بالأداء الراقي الذي قدّمه الفريقان، رغم تحفّظي الواضح على التحكيم الذي بدا مرتبكًا! ومع ذلك فإن جمال الكرة الحقيقي ظلّ حاضرًا طيلة المباراة حين لعب اللاعبون بشغف واضح.





