الخيطان يكتب: النصر عقدة المفاوضات الأميركية الإيرانية

 

فهد الخيطان


وقف إطلاق النار المؤقت على مختلف الجبهات، منح الأطراف كافة حق ادعاء النصر، وتلك مشكلة، فمن يتصرف كمنتصر في ميدان المعركة، لا يمكنه تقديم التنازلات على طاولة المفاوضات، وهذه معضلة واجهت الطرفين في جولة إسلام آباد الأخيرة، والوسيط الباكستاني، الذي تفرغ لأيام لنقل الرسائل بين الجانبين، والتنقل بين العواصم المعنية.
 

ترامب افترض، ولأسباب غير مفهومة، أن ما دمرته القاذفات الأميركية في أربعين يومًا، كافٍ لانتزاع التنازلات من طهران بعد وقف إطلاق النار. لقد ادّعى النصر في وقت مبكر، حتى قبل أن تبدأ الحرب كما تذكرون.
إيران تعرضت لخسائر فادحة، وفي الظروف الاقتصادية التي تمر فيها، تحتاج لمئات المليارات لتعيد بناء ما دُمّر، وسنوات طويلة للخروج من أزمة خانقة، هذا على فرض أن واشنطن وافقت على رفع العقوبات عنها، ولو بشكل جزئي، وأفرجت عن دفعات من أموالها المجمدة.
لكن طهران، تمسك أوراق قوة لا يُستهان بها، وهي التي تجعلها تتصرف كمنتصر، تفاوض من مركز قوة. بقاء النظام مسيطرًا رغم اغتيال العشرات من قادته الكبار، كان كافيًا لتجاوز أخطر فصل في الحرب. السيطرة على مضيق هرمز وشل نسبة كبيرة من التجارة الدولية، وشحنات النفط، كان أقوى أوراقها التفاوضية. لقد بدا العالم وكأنه يتوسل الإيرانيين لفتح المضيق، واضطرت دول عدة للرضوخ لطلب السلطات الإيرانية، ودفع رسوم لعبور المضيق.
وفي الأساس كانت ورقة تهديد المصالح الخليجية، أداة ضغط كبيرة على الجانب الأميركي، ولم تفلح كل جهود الوسطاء في ثني الحرس الثوري عن استهداف الدول الخليجية في حال استمرت الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران.
وفي الأيام القليلة الماضية، بدت طهران تتصرف وكأنها الطرف الوحيد الذي يملك حق فرض شروطه في المفاوضات. ربما أن لديها شعورًا بأن الوقت لم يعد في صالح إدارة ترامب، التي تواجه ضغوطًا داخلية متزايدة، جراء ارتفاع أسعار النفط، واقتراب مواعيد واستحقاقات داخلية، تلزم واشنطن البحث عن مخرج من حرب، لم يخطر في بالها أن تستمر كل هذا الوقت.
حكومة نتنياهو، هي أقل الأطراف شعورًا بالنصر. في تصريحات نتنياهو عن نهاية الحرب غصة من نصر ناقص، وحرب لم تكتمل، لن يتردد في مواصلتها إن سمح له ترامب. على الجبهة اللبنانية، اضطر لوقف مؤقت لإطلاق النار، لكن جيشه ما يزال يسيطر على شريط حدودي عريض يضم نحو 55 قرية لبنانية. ورسم خطًا أصفر، على شاكلة خط غزة، في العمق اللبناني، لا ينوي الانسحاب منه قبل تسوية شاملة مع لبنان. لكن تل أبيب، كما تجمع تقديرات الخبراء، لن تترك النظام الإيراني وشأنه. هدفها المعلن إسقاط النظام، وستواصل نشاطاتها السرية لتقويض سلطته، ومن غير المرجح أن يقيد أي اتفاق أميركي سلوكها في المستقبل. نتنياهو الذي يدعي النصر إعلاميًا، يعرف أن المهمة لم تُنجز في طهران، ولن يوفر فرصة لإفشال مفاوضات باكستان، رغم معرفته الأكيدة بأن ترامب لم يعد مستعدًا لمجاراته في الحرب. ما تزال التوقعات بشأن مصير المفاوضات متضاربة، بالنظر للتباين الشديد في المواقف حيال ملفات رئيسة. ومع إصرار كل طرف على سردية النصر في الحرب، تصبح مهمة الوسيط أكثر تعقيدًا. المنتصرون عادة ما يقتسمون غنائم الحرب. هذا أخطر ما يمكن أن ينتهي إليه الطرفان في المرحلة القادمة.