تأثير الروائح على الذاكرة والعواطف: لماذا نستمتع برائحة البنزين والمطر

قال الباحثون إن بعض الأشخاص يتوقفون عند مضخة الوقود ليستنشقوا رائحة البنزين. بينما يجد آخرون متعة في استنشاق رائحة المطر على التراب الجاف. وأشاروا إلى أن هذه الروائح تكون مألوفة ومحببة لكثيرين رغم أن بعضها قد ينتج عن مركبات كيميائية صناعية أو عمليات تحلل طبيعية.

وأضافوا أن علماء الأعصاب يطرحون سؤالاً مهماً حول لماذا تنجذب حاسة الشم لدى البشر إلى روائح قد تكون غير منطقية، بل ضارة في بعض الأحيان. وأوضحوا أن حاسة الشم ترتبط بشكل مباشر بالجهاز الحوفي في الدماغ، المسؤول عن العاطفة والذاكرة، مما يجعل رائحة واحدة قادرة على استحضار ذكرى قديمة أو شعور محدد.

وأكدت الدراسات أن الإشارات الشمية تصل سريعاً إلى مناطق مثل اللوزة الدماغية والحُصين، وهما مركزان رئيسيان لمعالجة العواطف والذكريات. لذا، قد تستحضر رائحة واحدة مشهداً كاملاً من الماضي، مثل رحلة عائلية أو مكتبة مدرسية.

الروائح وتأثيراتها على الصحة النفسية

تعتبر رائحة البنزين من أكثر الروائح التي تثير فضول العديد من الأشخاص، حيث تحتوي أبخرة البنزين على مركبات عطرية متطايرة. وأوضح العلماء أن هذه المركبات يمكن أن تؤثر في الجهاز العصبي عند استنشاقها، مما يسبب شعوراً مؤقتاً بالدوار أو النعاس.

وأشاروا إلى أن التعرض المرتفع لهذه المركبات قد يؤدي إلى صداع واضطراب في الجهاز العصبي. وكشفت بيانات الجمعية الأمريكية للسرطان أن التعرض الطويل للبنزين قد يضر بنخاع العظم ويؤثر في إنتاج خلايا الدم، ويرتبط بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.

ورغم هذه المخاطر، يؤكد علماء النفس أن الدماغ يربط رائحة البنزين لدى بعض الأشخاص بذكريات إيجابية مثل السفر، مما يجعلها مألوفة أو حتى ممتعة في وعيهم رغم ضررها المحتمل.

الاستمتاع برائحة المطر والكتب القديمة

كشف الخبراء أن الرائحة الترابية التي تنتشر بعد هطول المطر تُعرف علمياً باسم "بتريكور"، وهو مصطلح صاغه عالمان أستراليان. تنشأ هذه الرائحة عندما تخلط مياه المطر بزيوت تفرزها النباتات، مما يجعل رائحة المطر واحدة من أوضح الروائح الطبيعية لحاسة الشم.

وأفاد بعض الباحثين بأن تفضيل هذه الرائحة قد يكون له جذور تطورية، إذ ارتبطت رائحة المطر تاريخياً بعودة المياه وازدهار الزراعة. وعند فتح كتاب جديد، تنبعث رائحة مميزة أحياناً تميل إلى الفانيلا أو اللوز، تنتج عن مركبات عضوية متطايرة.

كما أظهرت الدراسات أن هذه المركبات يمكن أن تنشط مراكز المكافأة في الدماغ، خاصة لدى من يرتبط عندهم فعل القراءة بالإنجاز أو التعلم، مما يعزز من ذكريات الطفولة.

الذاكرة والعواطف في عالم الروائح

تشير التقارير العلمية إلى أن بعض الروائح البيئية قد تسبب أعراضاً مثل الصداع أو تهيج العينين لدى بعض الأشخاص. ومع ذلك، يلعب العامل النفسي دوراً كبيراً في انجذاب البشر للروائح، حيث يمكن للدماغ أن يربط رائحة معينة بذكرى إيجابية أو تجربة شخصية سابقة.

وبهذا، تتحول رائحة البنزين أو المطر أو الكتب القديمة إلى محفز عاطفي قوي، حتى لو كانت ناتجة عن عمليات كيميائية بسيطة. لذا، قد لا تكون هذه الروائح مجرد ظواهر حسية عابرة، بل مفاتيح خفية تفتح أبواب الذاكرة.

وأخيراً، تبقى حاسة الشم، رغم بساطتها الظاهرة، واحدة من أكثر الحواس قدرة على استدعاء الماضي وإحياء التجارب القديمة، مما يذكرنا بأن رائحة واحدة قد تكون كافية لإعادة مشهد كامل من حياتنا.