العمليات الخاصة الاسرائيلية في لبنان: فرضيات عن إنزال النبي شيت
تحولت بلدة النبي شيت في بعلبك إلى محور تساؤلات أمنية بعد عملية إنزال إسرائيلية نادرة في العمق اللبناني. رافقها قصف جوي عنيف واشتباكات محلية. وأعادت هذه الحادثة إلى الواجهة طبيعة العمليات الخاصة التي قد تلجأ إليها إسرائيل عندما يتعلق الأمر بأهداف استخبارية حساسة أو مواقع يصعب التعامل معها عبر الضربات الجوية التقليدية.
فرضيات متعددة
بينما ربط بيان الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي العملية بملف الطيار الإسرائيلي المفقود رون آراد، تشير قراءات عسكرية أخرى إلى احتمال ارتباطها بأهداف استخبارية أوسع، سواء لجمع معلومات ميدانية أو للوصول إلى مواقع أو تجهيزات يصعب استهدافها بالقصف الجوي فقط.
تزداد هذه الفرضيات في ضوء ما تحدثت عنه أوساط محلية في المنطقة من أن الحادثة لم تكن الأولى من نوعها. إذ تشير هذه الأوساط إلى أنه سبق قبل فترة أن جرت محاولة إنزال في جرد من جرود المنطقة لكنها فشلت. وتقول إن تلك المحاولة وقعت قبل حادثة استدراج الضابط المتقاعد في الأمن العام أحمد شكر، ما يعزز لدى بعض المتابعين فرضية أن المنطقة كانت موضع اهتمام استخباري إسرائيلي منذ مدة.
تفاصيل العملية الإسرائيلية
أعلن الجيش الإسرائيلي السبت أن قوات خاصة نفذت عملية في لبنان كان هدفها العثور على رفات الطيار رون آراد المفقود منذ العام 1986. وانتهت العملية دون العثور على "أي دلائل" تعود له. في المقابل، أكد كل من "حزب الله" والجيش اللبناني أن العملية شملت إنزال قوة مشاة وتسللها إلى بلدة النبي شيت قرب الحدود السورية، وتخللتها غارات جوية أسفرت عن مقتل 41 شخصاً على الأقل، بحسب وزارة الصحة.
في بيانه، قال الجيش الإسرائيلي: "عملت قوات خاصة... الليلة الماضية في محاولة للعثور على أدلة تتعلق بالملاح الجوي المفقود رون آراد". مشيراً إلى أنه "لم يتم العثور في موقع البحث على أي دلائل تتعلق به". وفقد أثر آراد بعد إسقاط طائرته فوق لبنان في العام 1986. ويرجح أنه مات، غير أن رفاته لم يُعثر عليها أبداً.
تداعيات الاشتباكات
أكد بيان الجيش الإسرائيلي عدم وقوع إصابات في صفوف قواته خلال العملية. وأعلن "حزب الله" من جهته أن مقاتليه رصدوا "تسلّل 4 مروحيّات تابعة لجيش العدو الإسرائيلي من الاتجاه السوري". ثم تطور التسلل إلى اشتباك بعد انكشاف القوة المعادية، حيث لجأ العدو إلى تنفيذ أحزمة نارية مكثفة شملت نحو أربعين غارة.
أشار الجيش اللبناني إلى أن إسرائيل قامت بـ"إنزال قوة معادية"، ونعى الحزب ثلاثة من جنوده قتلوا "نتيجة القصف المعادي العنيف الذي رافق" العملية. وذكر أن القصف تلاه تبادل إطلاق النار بين القوة المعادية وأبناء المنطقة، واستخدم الجيش الإسرائيلي "الطيران الحربي والمروحي لأجل تأمين انسحاب القوة من منطقة الاشتباك"، بحسب بيان "حزب الله" الذي أكد أن مقاتليه أطلقوا صواريخ أثناء عملية الانسحاب.
فرضية البحث عن آراد
في هذا السياق، قال العميد المتقاعد خليل الحلو إن المعطيات المتداولة بشأن عملية الإنزال ترتبط على الأرجح بملف الطيار الإسرائيلي المفقود. أما بشأن تفاصيل عملية الإنزال نفسها، فقال الحلو إن "المعلومات المتوافرة تشير إلى أنها حصلت في المنطقة الحدودية بين لبنان وسوريا في محيط معربون – الزبداني"، موضحاً أن الروايات تختلف حول عدد الطوافات المشاركة فيها.
وأشار إلى أن "بعض الروايات تحدثت أيضاً عن استخدام سيارات إسعاف خلال العملية، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية وصول هذه السيارات إلى المكان"، مرجحاً احتمال وجود تعاون ميداني على الأرض، سواء من الجانب السوري أو اللبناني. وأضاف أن "استخدام سيارات إسعاف قد يكون مرتبطاً بمحاولة الوصول إلى مدافن أو مقابر في بلدة النبي شيت، حيث يعتقد الإسرائيليون أن معلومات قد تقود إلى موقع محتمل لرفات الطيار المفقود".
تضارب المعلومات
لفت الحلو إلى "وجود تضارب واضح في توقيت العملية أيضاً". إذ تشير روايات إلى أنها حصلت وقت الإفطار في شهر رمضان حين يكون معظم الناس منشغلين، فيما تتحدث روايات أخرى عن حصولها قرابة الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً. مرجحاً أن تكون قد نُفذت في وقت الإفطار للاستفادة من انخفاض الحركة في المنطقة.
كما أشار الحلو إلى أن "انكشاف العملية أدى إلى اندلاع اشتباك في المنطقة، تبعه تدخل جوي إسرائيلي كثيف"، لافتاً إلى أن الأرقام المتداولة عن القتلى والجرحى غير واضحة حتى الآن. ويشير الحلو إلى أن "ما يجري تداوله لا يشير إلى أن العملية مرتبطة بخطف عناصر من (حزب الله) أو باستهداف مواقع عسكرية للحزب".
سوابق عملياتية
في هذا السياق، قال العميد المتقاعد ناجي ملاعب إن "المؤشرات المتداولة حول عملية الإنزال توحي بأن التحضير لها كان واسعاً ومسبقاً". مشيراً إلى أن بعض المعطيات المتداولة تربطها بعملية استدراج واعتقال ضابط متقاعد في الأمن العام من آل شكر في بلدة النبي شيت.
ويرى ملاعب أن هذا النوع من العمليات ليس جديداً في سجل المواجهة بين إسرائيل وخصومها في المنطقة. مشيراً إلى أن لبنان شهد في مراحل سابقة عمليات مشابهة استهدفت أشخاصاً أو مواقع محددة. وقال إن عمليات من هذا النوع حصلت سابقاً سواء عبر خطف أفراد كما حصل في الماضي مع اعتقال الشيخ عبد الكريم عبيد في جبشيت جنوب لبنان في ثمانينات القرن الماضي أو مع خطف مصطفى الديراني عام 1994.
عنصر المفاجأة
وختم ملاعب قائلاً: إن "فقدان عنصر المفاجأة يجعل تكرار عمليات إنزال مشابهة أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة". لأن الاستعدادات باتت قائمة في القرى، وأي عملية من هذا النوع إذا لم تُنفذ بسرعة ودقة فقد تتعرض لإطلاق نار أو لمحاولات إفشال.