تغييرات رمضان عبر العقود: من تقاليد الماضي إلى استهلاك العصر
قال الاقتصادي إن رمضان شهد تغييرات كبيرة عبر العقود، بدءا من مدفع الإفطار الذي كان يدوّي في ساحات المدن وصولا إلى تنبيهات الهواتف الذكية التي تعلن موعد الأذان. وأضاف أن جوهر الصيام بوصفه ركنا من أركان الإسلام لم يتغيّر، لكن ملامح الشهر في البيوت والشوارع ووسائل الإعلام شهدت تحولات نتيجة التطورات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية. موضحا أن هذا التقرير يستعرض كيف تغيّر رمضان في العالم العربي والإسلامي مستندا إلى شهادات تاريخية ودراسات اجتماعية.
أوضح أن إعلان دخول رمضان كان يعتمد حصرا على رؤية الهلال بالعين المجردة لقرون طويلة، استنادا إلى الحديث النبوي "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته". وأشار إلى أن تطور علم الفلك أدى إلى اعتماد بعض الدول الحسابات الفلكية بجانب الرؤية الشرعية. وبين أن دولا مثل تركيا تعتمد التقويم الفلكي الرسمي الصادر عن رئاسة الشؤون الدينية، بينما تتمسك دول أخرى بالتحقق البصري عبر لجان شرعية.
كشفت دراسات صادرة عن دار الإفتاء المصرية تطور آليات الرصد من المراصد التقليدية إلى استخدام التلسكوبات والتقنيات الحديثة. وهذا التحول لم يلغِ الجدل السنوي حول "اختلاف المطالع"، لكنه يعكس انتقال المجتمعات من الاعتماد على الخبرة الفردية إلى المؤسسية العلمية.
تحولات موائد الإفطار وثقافة الاستهلاك
قال إن الإفطار في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان يقوم على أطباق محدودة تحضر منزليا وغالبا من مكونات موسمية محلية. وأضاف أن رمضان تحول اليوم في كثير من البلدان إلى موسم استهلاكي يرتفع فيه معدلات الإنفاق الغذائي بشكل ملحوظ، وفق تقارير صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، التي تشير إلى زيادة الهدر الغذائي في بعض الدول العربية خلال الشهر.
أظهر أن روح "اللمة" العائلية لا تزال قائمة، لكن أنماط الطعام تغيرت من البساطة إلى التنوّع المفرط، ومن الطهي المنزلي إلى الطلب عبر التطبيقات الرقمية. موضحا أن رمضان كان موسما للسهرات الشعبية والحكواتي في المقاهي قبل انتشار التلفاز، حيث بدأ التلفاز بدوره في تغيير خريطة الترفيه الرمضاني.
بين أن مسلسلات مثل ليالي الحلمية في ثمانينيات القرن الماضي شكلت جزءا من ذاكرة المشاهدين، حيث كان البث محصورا بتوقيت محدد وتلتف العائلة حول شاشة واحدة. ومع انتشار المنصات الرقمية، تغير مفهوم "السهرة الرمضانية"، حيث يمكن مشاهدة الأعمال في أي وقت عبر خدمات البث عند الطلب.
التكافل الاجتماعي وأثره المستمر
قال إن رمضان منذ بدايات القرن العشرين ارتبط بأعمال البر والصدقات، وتطورت أشكال التكافل من المبادرات الفردية إلى مؤسسات خيرية منظمة. أضاف أن الجهات الخيرية تلعب دورا في تنظيم حملات إفطار الصائم داخل البلاد وخارجها، حيث تعتمد جمعيات في دول مختلفة على التبرعات الرقمية والمنصات الإلكترونية.
بين أن فكرة "إفطار صائم" و"زكاة الفطر" ظلت حاضرة بوصفها أحد أعمدة الشهر رغم تغير الوسائل. وأوضح أن الحديث عن "رمضان زمان" غالبا ما يرتبط بنبرة حنين، حيث ينظر إلى الماضي بوصفه أكثر بساطة ودفئا، غير أن باحثين اجتماعيين يشيرون إلى أن كل جيل يعيد تشكيل تجربته الخاصة بالشهر وفق ظروفه الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.
أشار إلى أن رمضان لم يفقد جوهره التعبدي، لكنه تكيّف مع العالم المتغير، من الفوانيس اليدوية إلى الإضاءة الكهربائية، ومن رسائل التهنئة الورقية إلى الوسائط الرقمية. وبين أن رمضان يبقى مساحة زمنية خاصة تعيد ترتيب الأولويات مهما تبدّلت التفاصيل.