الدواء وتمويل الدراسات الطبية: من يكتب ويشرف على الأبحاث؟
قال الاقتصادي إن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تشكيك الكثير من الناس في الدراسات الطبية والغذائية. وأضاف أن بعض المؤثرين ادعوا أن شركات الأدوية والصناعات الغذائية تموّل الأبحاث بهدف تحقيق أرباح أكبر من خلال إبقاء الناس مرضى. موضحا أن هذا الطرح رغم جذوره التاريخية يتجاهل التحولات العميقة التي شهدها البحث الطبي في العقود الأخيرة.
كما أشار إلى أن فقدان الثقة في الدراسات له أسباب حقيقية، حيث شهد القرن الماضي حالات موثقة من تلاعب المصالح التجارية بالبحث العلمي. وأوضح أن هناك أمثلة مثل الأبحاث التي موّلتها شركات التبغ لتقليل مخاطر التدخين، بالإضافة إلى بعض الدراسات الدوائية والغذائية التي أخفت نتائج غير مرغوبة.
كشفت العديد من الدراسات أن هذه الممارسات شكلت صدمة للرأي العام، لكنها كانت سببا مباشرا في تشديد القوانين وتطوير آليات رقابة أكثر صرامة على البحث الطبي. وقد أظهر الواقع أن البحث الطبي اليوم لا يُموَّل من جهة واحدة فقط، بل تشارك فيه الحكومات والهيئات العمومية بشكل رئيسي.
أهمية تمويل الأبحاث الطبية
أضاف الاقتصادي أن الحكومات والهيئات العمومية تموّل الأبحاث الأساسية والمراحل الأولى مثل فهم آليات الأمراض والدراسات الوبائية. وأوضح أن الجامعات تساهم أيضا عبر منح عمومية وتمويل مؤسسي، بينما تلعب الجمعيات الخيرية والمؤسسات غير الربحية دورا مهما في مجالات معينة مثل السرطان والأمراض النادرة.
ومع ذلك، أكد أنه لا تكفي هذه المصادر لتمويل التجارب السريرية الكبرى التي تتطلب تكاليف ضخمة. كما أن التجارب السريرية المتقدمة، خاصة في مراحلها النهائية، تعد من أكثر أشكال البحث تكلفة وتعقيدًا، إذ تشمل آلاف المشاركين في دول متعددة وتمتد لسنوات.
أوضح الاقتصادي أن تكلفة تطوير دواء واحد قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، مما يجعل الشركات الدوائية الوحيدة القادرة على تحمل هذه التكاليف. كما أن مخاطر الفشل في هذه التجارب عالية، حيث لا تنجح معظم الجزيئات أو التدخلات الواعدة في المراحل المبكرة في إثبات فعاليتها أو أمانها في المراحل المتقدمة.
آليات تقييم الدراسات الطبية
قال الاقتصادي إن تمويل الشركات لا يعني أن النتائج تُقبل دون تمحيص، حيث يتم تقييم الدراسات الطبية من خلال التركيز على صلابة المنهجية العلمية ووضوح سؤال البحث. موضحا أن المراجعون والعلماء ينظرون بعناية إلى استخدام المجموعات الضابطة والتوزيع العشوائي والتعمية، وهي أدوات أساسية لضمان نتائج موثوقة.
كما أشار إلى أهمية الإحصاءات في تقييم الدراسات، حيث يتم التدقيق في حجم العينة للتأكد من كفايته لاستخلاص استنتاجات سليمة. وبيّن أن قوة الدراسة الإحصائية تعزز من رصد التأثيرات الحقيقية بدل النتائج العشوائية.
كشفت الدراسات عن أن التسجيل المسبق للتجارب السريرية يُعد من الضمانات الحديثة في البحث الطبي. موضحة أن الباحثين ملزمون بنشر البروتوكول الكامل وخطة التحليل الإحصائي قبل بدء الدراسة، مما يمنع تغيير الفرضيات أو التحليلات بعد الاطلاع على النتائج.
تحديات البحث الطبي الحديث
أضاف الاقتصادي أن تقييم الدراسات يولي اهتماما خاصا للعوامل المربكة، وهي متغيرات قد تؤثر في النتائج. وعند دراسة تأثير نظام غذائي أو دواء ما، ينبغي أخذ العمر ونمط الحياة والحالة الاجتماعية والاقتصادية في الاعتبار. موضحا أن الدراسات الحديثة تتطلب تحديد هذه العوامل ومعالجتها لتكون نتائجها ذات قيمة.
وأكد على أهمية تقييم قابلية تعميم النتائج، حيث يجب على الباحثين توضيح حدود دراستهم. كما يجب على المراجعين التأكد من أن الاستنتاجات لا تتجاوز ما تسمح به البيانات.
أخيرا، قال الاقتصادي إن الشفافية أصبحت معيارا أساسيا للمصداقية، حيث تشترط المجلات العلمية الإفصاح عن مصادر التمويل وتضارب المصالح. كما تعمل على إيداع البيانات الخام في مستودعات علمية لإتاحة إعادة تحليلها من قبل باحثين مستقلين، مما يعزز من مصداقية الأبحاث العلمية.