القادة الجنوبيون في اليمن يتطلعون لحلول عادلة في مؤتمر الحوار المرتقب
في لحظة سياسية دقيقة، يعود ملف الجنوب اليمني إلى واجهة المشهد الإقليمي. وسط تحركات سعودية حازمة تهدف إلى إعادة صياغة مساره بعيدًا عن الاستقطاب والصراعات المفتوحة. وبمقاربة تضع الحوار الشامل خيارًا وحيدًا لتفكيك التعقيدات المتراكمة وإنهاء حالة الجمود.
في هذا السياق، انطلقت في العاصمة السعودية الرياض، الأحد، أعمال "اللقاء التشاوري الجنوبي" بمشاركة واسعة من القيادات والشخصيات السياسية والاجتماعية، إلى جانب المشايخ والأعيان، من مختلف محافظات جنوب اليمن. وتعد هذه الخطوة تمهيدية لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، الذي ترعاه السعودية، ضمن جهودها الرامية إلى دعم مسار سياسي شامل يعالج القضية الجنوبية بعيدًا عن الإقصاء والتهميش، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة.
يأتي هذا اللقاء في ظل تعقيدات غير مسبوقة يعيشها المشهد اليمني، وما تواجهه القضية الجنوبية من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية متراكمة. حيث يسعى المشاركون إلى بلورة رؤية جنوبية جامعة تقوم على الحوار بوصفه خيارًا أساسيًا لمعالجة جذور الأزمة، بعيدًا عن منطق التصعيد والعنف، أو اختزال القضية في تمثيل أحادي لا يعكس تنوع الجنوب وتعدد مكوناته.
تأكيدات على الحوار كخيار وحيد
أكد المجتمعون في بيان ختامي تلاه عبد الرحمن المحرّمي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، أن اللقاء يعكس "إرادة جنوبية جامعة تمثل مختلف شرائح الجنوب ومحافظاته، وتسعى إلى التوصل إلى حل عادل وآمن ومستدام للقضية الجنوبية". وشددوا على أن هذا المسار السياسي يستند إلى الحوار المسؤول بوصفه الطريق الوحيد القادر على تجنيب الجنوب مزيدًا من الانقسامات والصراعات الداخلية.
وأوضح البيان أن المشاركين لمسوا، من خلال لقاءاتهم المباشرة مع القيادات والمسؤولين في السعودية، دعمًا واضحًا ومتطابقًا مع مطالب الجنوبيين المشروعة. وفي مقدمتها حقهم في الوصول إلى حل سياسي شامل يضمن كرامتهم وأمنهم واستقرارهم، دون فرض شروط مسبقة أو سقوف سياسية. وبما يكفل حق أبناء الجنوب في تقرير مستقبلهم السياسي عبر آلية توافقية لا يُقصى فيها أحد.
شدد البيان على أن خيارات أبناء الجنوب، بما فيها شكل الدولة ومستقبلها السياسي، تظل حقًا أصيلاً لهم وحدهم. وأن المملكة العربية السعودية لا تتبنى موقفًا معاديًا لأي خيار، شريطة أن يكون ناتجًا عن حوار جنوبي - جنوبي شامل، لا يُفرض من قبل مكون أو شخص بعينه، ولا يُختزل في تمثيل لا يعكس الإرادة الجنوبية الجامعة.
فرصة تاريخية في الحوار الجنوبي
أكد البيان أن مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب، برعاية السعودية، يمثل "فرصة تاريخية نادرة" لإعادة تصويب مسار القضية الجنوبية. محذرًا من محاولات العبث بهذه الفرصة عبر خلق استقطابات داخلية، أو الزج بالجنوب في صراعات جانبية تخدم أطرافًا إقليمية تسعى لإدامة الفوضى، ولا تصب في مصلحة الجنوبيين أو مستقبلهم.
برزت دعوات واسعة داخل اللقاء إلى ضرورة الفصل بين عدالة القضية الجنوبية بوصفها قضية سياسية وحقوقية مشروعة، وبين الممارسات الفردية لبعض القيادات التي يرى مراقبون أنها ألحقت أضرارًا جسيمة بالقضية. من خلال احتكار التمثيل، أو توظيفها في صراعات إقليمية لا تخدم تطلعات أبناء الجنوب.
يشير محللون إلى أن تراجع الزخم السياسي للقضية الجنوبية خلال مراحل سابقة ارتبط، إلى حد كبير، بممارسات سياسية ومالية مثيرة للجدل، وبتغليب المصالح الشخصية على المصلحة العامة. وهو ما أسهم في إضعاف حضور القضية على المستويين الإقليمي والدولي، قبل أن تعيد الرعاية السعودية الحالية تصديرها بوصفها قضية سياسية مركزية ضمن مسار الحل الشامل في اليمن.
التأكيد على الدعم السعودي
أشار المحرمي إلى أن القيادات والشخصيات الجنوبية المشاركة لمست منذ وصولها إلى الرياض، ترحيبًا صادقًا ودعمًا عمليًا للقضية الجنوبية. وأكد أن هذا الدعم لم يقتصر على الجانب السياسي، بل شمل الملفات المعيشية والاقتصادية والأمنية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
أوضح البيان أن اللقاءات التي عقدتها القيادات الجنوبية مع مسؤولي مؤسسات الدولة في المملكة، أسهمت في تقديم صورة أكثر عمقًا ووضوحًا عن أبعاد القضية الجنوبية. الأمر الذي عزز من حضورها السياسي إقليميًا، وساعد في تسريع معالجة عدد من الملفات العاجلة. وفي مقدمتها أزمة صرف المرتبات المتأخرة، التي أثقلت كاهل الموظفين المدنيين والعسكريين على حد سواء.
كما أعلنت السعودية عن دعم اقتصادي وتنموي للجنوب واليمن عمومًا، بلغت قيمته نحو 1.9 مليار ريال سعودي (نصف مليار دولار) في خطوة عُدّت مؤشراً عمليًا على التزامها بدعم الاستقرار المعيشي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتهيئة البيئة اللازمة لإنجاح أي مسار سياسي مقبل. مع تكفلها برواتب الموظفين المدنيين الحكوميين بمبلغ 9 ملايين دولار، وكذا برواتب كل العسكريين والأمنيين المرتبطين باللجنة المشتركة لقيادة تحالف دعم الشرعية.
دعوة للمشاركة في الحوار الجنوبي
دعا البيان الذي قرأه المحرّمي، جماهير الشعب الجنوبي إلى التعبير عن تطلعاتهم المشروعة بوعي ومسؤولية. ودعم مسار الحوار الجنوبي برعاية السعودية، باعتباره الإطار الأكثر واقعية وأمانًا للتوصل إلى حل سياسي شامل. يحفظ الحقوق ويصون المكتسبات، بأقل تكلفة ممكنة.
وجه البيان نداءً إلى المجتمع الدولي لمساندة هذا المسار الجاد، واحترام تطلعات الجنوبيين، ودعم الجهود السعودية الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في الجنوب واليمن والمنطقة. باعتبار أن معالجة القضية الجنوبية تمثل مدخلاً أساسيًا لأي تسوية شاملة ومستدامة.