fbpx

العشائريون الجدد.. فشل دولة أم مجتمع ؟

أخبار الأردن

فايز الفايز

حتى لا نذهب في الاتجاه المعاكس لرمزية الدولة، علينا أن نعود فعليا لبداية تأسيس الدولة الأردنية، كان النواة حكومة أخذت شكل مجلس إداري يقوده أعضاء من الحزب السوري الذي كان ضمن الحكومة الفيصلية التي أنهتها فرنسا للتو عام 1920، ترأس رشيد طليع الحكومة المصغرة في ظل حاكميات محلية في النواحي الحضرية، وأول امتحان لقوة الدولة الناشئة كان الغزو الذي قادته عشائر الجزيرة تحت راية الوهابية ربيع 1922، إذ لم تكن هناك قوة عسكرية للدولة الأردنية للتصدي لها وكان الهجوم مباشرة على قبيلة بني صخر الممتدة من تخوم الكرك الى حدود البلقاء، ووقعت معارك هزم فيها بنو صخر وعدد من عشائر البلقاء في حزام عمان جحافل الغزاة دون أي إسناد، ثم أعادوا الكرة عام 1924 وهناك شاركت الطائرات البريطانية في التصدي لهم.
لم يكن بدو الصحراء آنذاك يعرفون معنى الدولة إلا ما ورثوه عن الدولة العثمانية، ولم يعهدوا النظام السياسي بمفهومه اليوم، ولكنهم تحركوا من دوافع حماية ارضهم وعرضهم، ولم ينتظروا أحدا ليساعدهم، فالصحراء أثخنت جراحهم عقودا طويلة، وما هي إلا سنوات ثلاث حتى أصدرت الحكومة الجديدة قانونا لفرض المكوس على إبل القبيلة، وبعدها بسنوات تم وضع التشريعات ومنها المجلس التشريعي الذي كان متقدما عما نراه من مجالس في زماننا هذا، ودخل أبناء القبائل الأردنية والعربية في ما سمي الجيش العربي، وبقيت الوظائف المدنية محصورة بخريجي المدارس،ومع هذا كله بقيت القبائل والعشائر رافعة للدولة لا هادمة.
مرت العقود وتبدلت الحكومات ودخلنا في حروب على أرض فلسطين وقدم الأردنيون دماءً زكية لا يعادلها أي تكريم سوى وعد الله لهم، وكانت خطط التوطين وافتتاح المدارس وإشاعة التعليم من أهم عوامل تطور العقل الاردني ومنهم أبناء العشائر، وكان فضل الجيش على الكثير منهم عظيما، ومثل كل الدول العربية بات الإحساس بالنزعة الوطنية شاغلا لرجالات وأبناء العشائر، واستمر التطور في الإدارة الرسمية يدفع العشائريين الى التقدمية المصانة بالصدقية والعفة وإعلاء شأن القانون والإلتزام بالأطر الرسمية، وكان لإيلاء الدولة الرسمية اهتماما بعناصر الحياة الأساسية للمجتمعات العشائرية دورا في الحس الوطني عندهم.
كان الجميع متوافقا على رمزية العرش والقيادة، لأنهم ورثوا عن تاريخهم ونظامهم المأطر بالزعامات التقليدية أهمية ان يكون لديهم شيخ أو شيخ مشايخ أو زعيم، وهذا ما رأوه في النظام الملكي كزعامة للجميع، ولكن مع تبدل الحكومات وتصاغر الهيبة لدى الموظفين وتناسل أجيال في الإدارة الحكومية خصوصا في طبقة الوزراء ومن يعادلهم ممن لا يعرفون تفاصيل المجتمع الأردني العشائري، ودخول العقلية التغريبية وأنصار السوق وتغليب نظرية الكم على الكيف، وجد أبناء العشائر أنهم باتوا في العراء، وهم يظنون أن الدولة هي عباءتهم التي تستر عورتهم.
من هنا بدأ جيل جديد من المتعلمين والمثقفين، كل حسب تعليمه وثقافته، يرون أنهم باتوا على قارعة الطريق، وزاد الأمر تعقيدا تدهور الأوضاع الاقتصادية واستبدال العمالة وشح الموارد وتكدس الجنسيات العابرة للأوطان ومزاحمة سوق العمل، وتكدس الثروات بأيدي فئة قليلة، وفتور الاهتمام الرسمي بهم وتخلي المسؤولين عن مهامهم الأصلية لانتشال الشباب من مستنقع اليأس وعدم وضوح الرؤية المستقبلية للواقع السياسي والاقتصادي، وتكدس الوظائف الهامة بأيدي حفنة من المعارف، كل ذلك وأكثر بات محركا قويا لأبناء العشائر لسلوك طريق ثالث، فيما اعرّفه بالعشائرية الجديدة التي وجدوا فيها حاضنة أقوى وأهم من حاضنة الدولة العامة.
إن ما نراه اليوم من تضخيم لبعض الشخصيات بغض النظر عن مواقفنا منها هو خطر محدق بالمستقبل السياسي للدولة، فبات الجمهور يؤازر أي شخص بناءً على جرأته في الشتم والانتقاد والاستعراض، ليصنعوا منه مخلصاً والأخطر من هذا كله أن الأجيال الفتية باتت تؤمن بذلك وتؤمن بصناعة أبطال لا يملكون شيئا مما يملكه أي صاحب قرار، ولهذا باتت الردة العشائرية نحو الإنغلاق على الذات قنبلة قد تدمر مجتمع الدولة نتيجة تراخي الحكومات عن الانفتاح السياسي والعمل لتوفير بيئة الأعمال وتوفير المشاريع الحقيقية، وهذا ما سيؤسس للمزيد من الانسلاخ الوطني، وسنعود لما قبل الدولة التي ذكرناها اعلاه، فالعشائريون الجدد ليسوا هم الرعيل الأول الذي ضحى بكل شيء لأجل وطن ودولة ومستقبل ثم لم يذكر مآثرهم أحد، فهذا فشل ومسؤولية الجميع.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى