fbpx

الأردن والمبادرة الملكية للإصلاح: الفشل ليس خياراً

أخبار الأردن

عريب الرنتاوي

استقبل الأردنيون بكثير من التحفظ والحذر والاهتمام، الإعلان عن إرادة ملكية بتشكيل لجنة لتحديث المنظومة السياسية، ضمن اثنتان وتسعين شخصية سياسية وأكاديمية وحزبية ووطنية، بخلفيات ومرجعيات ثقافية واجتماعية مختلفة، على أن يتولى رئاستها، رئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي.

سبب الاهتمام، باللجنة رئيساً وتشكيلاً وتفويضاً، أنها ظلّت منتظرة لأسابيع عديدة، أقله منذ أن ضرب زلزال “الفتنة”، أو قضية الأمير حمزة، الأردن طولاً وعرضاً، لتأتي بعد ذلك أزمة النائب العشائري أسامة العجارمة، وما أثارته من قلق ومخاوف وتداعيات.. كان واضحاً من المعلومات والتسريبات، أن “القصر” يتجه نحو خطوة إصلاحية، ستمر حكماً بتشكل لجنة حوار وطني لصياغة خريطة الطريق إلى ذلك، إلى أن جاء الكشف عن هوية اللجنة وأسماء أعضائها، ليصرف اهتمام الأردنيين، إلى تركيبتها، من ضمّت ومن استثنت، وما يمكن أن يصدر عنها من خلاصات وتوصيات، وما ستثيره من أسئلة وتساؤلات حول ضمانات ترجمة هذه المخرجات، إلى تشريعات وسياسات وإجراءات.

أما مصدر التحفظ والحذر، فنابع من تجربة عشرين عاماً، من الفشل المتكرر، للجان ومبادرات مماثلة، بدأت في 2002 بهيئة ملكية حملت اسم “الأردن أولاً”، لتمر بعدها بمبادرات مماثلة، من نوع “كلنا الأردن” و”الأجندة الوطنية”، قبل أن يقف هذا المسار، عند أوراق نقاشية سبع، مُهرت بتوقيع الملك، بيد أنها مع ذلك، ظلت حبراً على ورق.

لقد توّلد إحساس عميق لدى الأردنيين، بأن ليس ثمة إرادة سياسية حقيقية لاستحداث اختراق ملموس على دروب الإصلاح السياسي والتحوّل الديمقراطي، وزاده خطورة وتجذراً، إحساسٌ أعمق، بعقم الإدارة العامة وتآكل كفاءتها، وخلو مؤسسات صنع القرار في الدولة، من “سياسيين رؤيويين”، يمكن أن يوفروا البوصلة للجهاز البيروقراطي، والتكنوقراط، للمضي قدماً.

والمتأمل في ردود أفعال الأردنيين، المتاح معرفتها عبر الإعلام والمجالس الاجتماعية ووسائل التواصل الاجتماعي، يلحظ تدني منسوب الأمل والرهان على ما يمكن أن تخرج به اللجنة من نتائج وخلاصات وتوصيات، لكن ذلك لم يمنع قطاعاً منهم، من التريث والتأني قبل إطلاق الأحكام، مسبقاً ومقدماً، لعل قادمات الأيام، تحمل للأردنيين مفاجآت سارة، بعد سلسلة من الخيبات والأزمات التي عصفت بمعاشهم واقتصادهم وفضائهم السياسي العام، في ظل اتساع فجوة الثقة بين الحكم والرأي العام، وتآكل مكانة مؤسسات الدولة، المنتخبة والمعينة، في أعين الأردنيين والأردنيات.

وزاد الطين بلّة، أن تكوين اللجنة الملكية، رئاسة وأعضاء، حظيت بانتقادات واسعة، صادرة عن شخصيات وقوى، كانت طامعة، بحق أو من دونه، في أن تكون ممثلة في عضويتها، أو بفعل غياب شخصيات وازنة من الإصلاحيين والمعارضين والحراكات الشبابية والمطلبية، عن عضوية اللجنة، أو ربما اعتراضاً على شخص رئيسها، الذي خبر الحكم شخصياً، وجاء من عائلة سياسية “حاكمة” لطالما كانت مثار جدل بين الأردنيين، إذ كان الرهان منصباً على اختيار شخصية جامعة لهذا الموقع، بحكم طبيعة المهمة المنوطة بها.

على أية حال، سينطلق قطار عمل اللجنة بعد أيام قلائل، إن لم يكن قد انطلق قبل أن تجد هذه المقالة طريقها للنشر، وهو محمّل بكثير من الأثقال، منها ما يتعلق بكيفية استعادة الثقة، ومنها ما يتصل بكيفية بناء توافق عريض بين أعضائها، حول عناوين، لطالما كانت مثيرة للجدل والخلاف، من نوع: أي قانون انتخابي نريد، المواطنة والهوية وسيادة القانون، الأمني والمدني في الفضاء العام، الحدود التي يمكن أن تصل إليها أفكار الإصلاح وتوصياته، وضمانات نقلها إلى حيز التنفيذ.

لقد أخذ الملك على عاتقه، في كتاب تكليف اللجنة وتشكيلها، ألا يتدخل في عملها أحد، وأنه شخصياً سيكون ضمانة لانتقال توصياتها إلى حيزّ التنفيذ… ولأن كاتب هذه السطور، قد عاصر تجارب اللجان الملكية منذ “الأردن أولاً 2002″، وحتى اللجنة الملكية المشكلة حديثاً، وشارك في معظمها، فإن كلمات من هذا النوع، وتعهدات على هذا المستوى، لا شك أنها تبدو مختلفة، عمّا سبقها من تجارب وحالات مماثلة… بيد أن ذلك، لا يمنع من الاحتفاظ بقدر من القلق والتحسب، لما يمكن أن يعترض عمل اللجنة من تدخلات وضغوط من جهة، وما يمكن أن تواجه نتائجها، من محاولات “تفريغ” وتجاهل، تعصف بوظيفتها كرافعة لمسار إصلاحي جدي، من جهة ثانية.

الكرة الآن، في ملعب اللجنة، رئيساً وأعضاء، بيد أنها ليست في ملعبها وحدها… من جهة اللجنة عليها أن تذهب بالمشروع الإصلاحي إلى أقصى مدى، يسمح به توافق أعضائها، أو غالبيتهم الوازنة على أقل تقدير … وأن تضع تصوراً لمستقبل الأردن، يتخطى العقد والهواجس والمحاذير التي عطلت مسار الإصلاح السياسي لأكثر من عقدين من الزمان…أما من جهة مؤسسات الدولة الأخرى، فمن واجبها، أن تساعد اللجنة، في خلق مناخات الثقة ورفع منسوب الرهان على مخرجاتها، من خلال سلسلة من المبادرات الانفراجية العاجلة، التي تترك الانطباع لدى الرأي العام الأردني، بأن بلادهم قد وضعت على سكة مختلفة.

وسيتعين على اللجنة، أن تتحلى بالجرأة عند تقديم اقتراحات تعديلات جوهرية، إن على المستوى الدستوري، أو على مستوى التشريعات الناظمة للعمل العام: قوانين الانتخاب والأحزاب والإدارة الملكية وغيرها كثير، فضلاً عن “التوصيات” بالسياسات والإجراءات، التي يتعين على الحكومات القادمة، اتخاذها وانتهاجها، لخلق فضاء للعمل السياسي والحزبي والبرلماني والمدني، متحرر من القلق المترتب على التدخلات الأمنية أو الأثر الذي يستحدثه المال السياسي الفاسد، ودائماً بهدف تخليق أعراف حزبية وبرلمانية، مستقرة، لا تقل أهمية عن النصوص القانونية والدستورية المثبّتة.

الإصلاح السياسي في الأردن، لم يعد ترفاً فائضاً عن الحاجة، ولا هو مطلباً لقوى محدودة التأثير، من أحزاب وحراكات ومؤسسات مجتمع مدني فحسب، هذا الأمر، ربما كان صحيحاً قبل سنوات، بيد أنه ليس صحيحاً اليوم … الإصلاح السياسي بات حاجة للدولة والمجتمع و”النظام” سواء بسواء، ويمكن القول من دون مبالغة أو “تطيّر” أنه صار “شرط وجود واستقرار”، والمبادرة التي تكشف عنها كتاب التكليف والتأليف والتفويض للجنة الملكية، قد تكون نهاية سكة قطار الإصلاح المنشود، فإما أن نكون أمام خطوة انفراجية – استنقاذية، ملموسة، من شأنها ترتيب البيت الداخلي وتعزيز جهاز المناعة الوطنية المكتسبة، ويُبنى عليها مستقبلاً، أو أنها ستكون بمثابة “مقامرة” غير محسوبة، سيترتب على خسارتها وتفويت فرصتها، دفع البلاد والعباد، خطوة إضافية نحو حافة الهاوية… الأردن لا يملك ترف المقامرة بفشل جديد، وثمة حاجة لتظافر جهود مختلف الأفرقاء واللاعبين، لإنجاح هذه المبادرة.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى