fbpx

وسط قصور التشريعات.. التحرش يخترق أسوار الجامعات على أيدي أكاديميين – فيديو

أخبار الأردن

تحقيق: شروق البو

سماوي: ممارسات التحرش من الهيئة التدريسية أو الإدارية في الجامعات “حالات فردية”

الدغمي: هناك قصور تشريعي في قضايا التحرش وحماية المبلغين والشهود والخبراء

عبيدات: تغليظ عقوبة التحرش إذا كان الفاعل أستاذا في الجامعة

شتيوي: المجتمع يُدين المرأة في مواقف التحرش ويجعلها ضحية للمرة الثانية!

أصلان: معظم المؤسسات تفتقر للسياسات الواضحة في الحماية من العنف والتحرش

حادثة “تحرش باص صويلح” التي تم على إثرها نشر مقاطع فيديو تُظهر المشتكى عليه وتوثق الإمساك به في قبضة الأمن، قبل نحو 6 أشهر، لم تكن رادعًا للعديد من المتحرشين سرًّا وعلانية، فخلف أسوار الجامعات التي يقصدها الطلبة لنهل العلم والمعرفة، يتكشّف التشوه الذي أصاب العلاقات العملية والمهنية والمنظومة الأخلاقية لدى بعض الأكاديميين والإداريين بسبب أفعال التحرش التي تُمارس في مكاتبهم.

بعدها وفي مطلع الشهر الماضي، واجه عميد كلية في إحدى الجامعات الحكومية، تهمة التحرش برئيسة ديوان كليته التي كانت سجلت شكوى بحقه لدى الأجهزة الأمنية.

وعلى إثر الشكوى، تم توقيف عميد الكلية في مركز أمني، قبل أن يتم تحويله اليوم، إلى إدارة حماية الأسرة، ومنها إلى المدعي العام.

ووفق التقرير الإحصائي الجنائي الصادر عن إدارة المعلومات الجنائية في مديرية الأمن العام للفترة (2016 – 2020)، فإن جرائم الاغتصاب بلغت 172 جريمة خلال العام 2019 وارتفعت لتصل إلى 200 جريمة خلال العام 2020، بينما انخفضت جرائم هتك العرض من 1013 إلى 822 جريمة، كما انخفضت جرائم البغاء من 54 إلى 41 جريمة خلال فترة المقارنة ذاتها.

وتعرّض ثلاثة أرباع السيدات في الأردن للتحرش، بحسب جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن”، فيما يطالب خبراء بالشأن القانوني والاجتماعي بإجراء تعديلات قانونية تضمن معاقبة المتحرش، وتعزيز التوعية حول التحرش وأشكاله وعاقبته وكيفية التصرف حياله، داعين إلى تفهم عائلة الضحية ومباشرتها بتقديم شكوى ضد الفاعل لدى الجهات المعنية للحد من هذه الممارسات.

أساتذة ينضمّون للمتحرشين!

دكتور في إحدى الجامعات الرسمية، معروف في أوساط القسم الذي يدرس فيه بأنه من المتحرشين بالطالبات، لكن غالبيتهن لا يتقدمن بشكاوى خوفًا من التبعات الأكاديمية وجهلهن بالإجراءات، فضلًا عن خشيتهن من رد فعل الأهل إذا لم يتفهموا عليهن ما قد يصل باعتقادهن إلى حد حرمانهن من إكمال تعليمهن الجامعي.

أما إذا تقدمت إحدى الطالبات بشكوى لإدارة الجامعة فيتم العمل على إنهاء الموضوع دون الدخول في إجراءات رسمية، لكن تكرار الشكاوى بحق الدكتور ذاته وقيام طالبة بتوثيق ما حدث معها من تحرش من قبل الدكتور بتسجيل صوتي في مكتبه كانت الضربة التي أطاحت بهذا الدكتور، إذ أبلغت الطالبة أهلها وأصروا على تقديم شكوى رسمية لإدارة الجامعة والمضي بالإجراءات القانونية.

تم على إثر ذلك تخيير الدكتور من قبل إدارة الجامعة بعد أن حصلت على موافقة أهل الفتاة، بين تقديم الاستقالة أو تحويل القضية إلى المحكمة، وبعد أن فشلت مساعي الدكتور بالخروج من الأزمة دون أي ثمن، اضطر للرضوخ لأمر الاستقالة فقام بتقديمها بالفعل، وفق ما ذكر مصدر مطلع لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية.

وإلى محافظةٍ أخرى، حيث إحدى الجامعات الحكومية، يواجه عميد كلية تهمة التحرش برئيسة ديوان كليته التي كانت قد سجلت شكوى بحقه لدى الأجهزة الأمنية، وعلى إثر الشكوى، تم توقيف عميد الكلية في مركز أمني مؤخرًا قبل أن يتم تحويله إلى إدارة حماية الأسرة، ومنها إلى المدعي العام، بحسب ما أفاد مصدر أمني لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية.

وعلى صعيد جامعة رسمية ثالثة في محافظة أخرى، أكدت مصادر رسمية لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، ورود شكاوى بالتحرش داخل الحرم الجامعي، يتم على إثرها تشكيل لجان تحقيق واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حال ثبوت واقعة التحرش.

لكن مصدرًا مسؤولًا في الجامعة ذاتها، نفى لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، وصول أي شكوى بالتحرش داخل الجامعة للجهات المعنية، سواءً بين الطلبة أو الموظفين أو أعضاء الهيئة التدريسية أو الإدارية، مؤكدًا أنه لم يتم فصل أو إنهاء خدمات أي موظف على خلفية قضايا تحرش.

حالات فردية

عميد شؤون الطلبة السابق في جامعة البلقاء التطبيقية، الدكتور فادي سماوي، وصف ممارسات التحرش التي قد تصدر عن أحد أعضاء الهيئة التدريسية أو الإدارية في الجامعات عمومًا بأنها “حالات فردية” لا تُعبر إلا عن فئة قليلة جدًّا “لا تُذكر” من ضعاف النفوس.

وبين سماوي لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، أن الإجراءات التي يتم اتخاذها في مثل هذه المسائل تصل إلى تقديم المدرس استقالته وفصله من الجامعة، وذلك في حالة إثبات التحرش بعد تحقيق اللجنة المشكلة للنظر في الشكوى المقدمة من الطالبة بحق الأستاذ، في حين أن تحويل المتحرش للأجهزة الأمنية يعود إلى رغبة الطالبة بتقديم شكوى لدى الأجهزة الأمنية من عدمها.

التحرش ممارسة للسلطة

أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأردنية، الدكتور موسى شتيوي، أكد أن التحرش ظاهرة موجودة بأماكن وأطر مختلفة لكلٍّ منها خصوصيته، إلا أن التحرش في الأطر المؤسسية والجامعات واضح، وهو ومرتبط بعلاقة فيها حاجة واعتماد من الطلبة والموظفين على الأساتذة والإداريين، وبالتالي فإن التحرش هو أحد مظاهر ممارسة السلطة داخل الجامعات.

وأضاف شتيوي لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، أن التحرش في الجامعات ناتج عن عدم توازن علاقات القوة بين طرفين، وهو منبثق من شخص يعتقد أن الطرف الثاني أضعف منه؛ لذا قد يطلب منه بعض الأمور مقابل علامات أو غير ذلك، وهذه الممارسات قد تصدر من بعض الأساتذة، بينما غالبيّتهم لا يقومون بسلوكيات كهذه، ولكن “في أغلب الجامعات يعني فيه حالات بتطلع بين فترة وفترة يعني بهذا السياق”.

وفيما يتعلق بدوافع ممارسة التحرش من بعض الأكاديميين والإداريين في الجامعات، قال، إن نظرة المتحرش للطرف الآخر على أنه أضعف ويحتاج إليه، تجعله يمارس الاستغلال معه، لا سيما إذا كان من الطلبة الذين يعانون ظروفًا اقتصاديةً ونفسيةً واجتماعيةً صعبة، وبالتالي من الوارد استغلال ظروف الطلبة الصعبة من قبل بعض الأساتذة.

وأوضح شتيوي أن الدافع في هذه الحالة يكون نفسيًّا واجتماعيًّا، أي أن المتحرش يشعر بأن له الحق بالسعي وطلب هذه الممارسات أو “الخدمة” من الطرف الآخر؛ لأن علاقة القوة غير متكافئة بين الجانبين، وهناك نقطة ضعف فيها.

التحرش مفقود في القوانين!

القاضي المتقاعد، لؤي عبيدات، قال إن قانون العقوبات الأردني لم يضع وصفًا جرميًّا خاصًّا لمصطلح التحرش، وليس هناك جريمة في أيٍّ من القوانين المعمول بها في المملكة تُسمى بـ”جريمة التحرش الجنسي”، إنما كل جرائم الاعتداءات الجنسية تندرج تحتها ويمكن اعتبارها تحرشًا جنسيًّا.

وبين عبيدات لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، أن التحرش هو أحد أشكال مضايقة الشخص الآخر والاعتداء على خصوصياته الجسدية والنيل من عوراته، وقد يحدث بطرق مختلفة؛ منها التحرش المادي الذي يقع بوسائل مادية فعلية؛ مثل التطاول ومد اليد على إحدى العورات أو منطقة من الجسد يحرص المرء على تغطيتها وسترها.

وأضاف، أن التحرش قد يكون نفسيًّا من خلال وضع المجني عليه أو الضحية بموقف يُشعرها بالتضييق عليها والرغبة بالنيل من حريتها الجنسية وعوراتها والاعتداء عليها، ومن الممكن أن يكون التحرش لفظيًّا، عن طريق استخدام عبارات تتخلّلها إيحاءات ودلالات نابية وغير لائقة، وقد يكون التحرش بصريًّا، من خلال نظرات العين.

وتابع عبيدات، أن التحرش يمكن أن يقع من خلال الملاحقة والتتبع، دون المساس بالمجني عليه أو الضحية أو الحديث معها، وإنما تشعر بتقييد حريتها وعدم الراحة والأمان، وأن هذا الترصد يستهدف غايات غير نبيلة وغير شريفة، وأن الجاني يتقصّد بهذه الممارسات الاعتداء على خصوصيات الضحية وجسدها دون أن يفعل شيئًا ملموسًا وإنما بمجرد الملاحقة والتتبع.

وتأكيدًا لذلك، قالت مديرة مركز وعي للتدريب في حقوق الإنسان، المحامية تغريد الدغمي، إن التشريعات الأردنية لم تضع تعريفًا واضحًا للتحرش الجنسي، إلا أن قانون العقوبات جرّم عددًا من الأفعال والسلوكيات التي تدخل ضمن نطاق التحرش الجنسي، مبينةً أن التحرش يعتبر أحد أكثر صور العنف ضد المرأة انتشارًا؛ كونه يهين الكرامة الإنسانية وينتهك حقوق المرأة انتهاكًا صارخًا.

وأوضحت الدغمي لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، أن أفعال التحرش الجنسي وسلوكياته متعددة؛ فهناك التحرش الجسدي، والتحرش اللفظي، والتحرش الإيمائي كالتحديق في الجسد، والتحرش الإلكتروني كتلقي مكالمات خلوية ورسائل غير لائقة أو صور فاضحة، وقد يصل التحرش إلى الاعتداء على العرض والاغتصاب.

يُشار إلى أن التحرش الجنسي هو “السلوك “غير المرغوب فيه” ذو الطابع الجنسي، إلا أن السلوك “غير المرغوب فيه” لا يعني بالضرورة السلوك “غير الطوعي”؛ لذا فإن السلوك “غير المرغوب فيه” هو كذلك طالما اعتبر الشخص الذي تعرض له أنه سلوك غير مرحب به”، وفقًا لـ”تضامن”.

جرائم “تحرشية” في القانون

وبالعودة إلى عبيدات، فقد أشار إلى أن أبرز الجرائم الجنسية التي تنال من شرف الإنسان وعوراته والتي تندرج تحت مفهوم التحرش؛ هي جرائم الاغتصاب، مواقعة القاصرات، وعقوبتها تختلف حسب الحالة وعمر الفتاة، وقد تصل إلى الإعدام شنقًا حتى الموت إذا كانت المغتصَبة دون 15 عامًا والقاصر دون 12 عامًا.

وتابع، أن من تلك الجرائم هتك العرض، وهي جريمة ذات نطاق أوسع من الاغتصاب، وهي المساس بالعورات بحد ذاتها وما يعد عورةً في المجتمع ويخدش الحياء العرضي للمجني عليه، سواءً كان ذكرًا أو أنثى، وقد يحدث بالملامسة أو أكثر من ذلك، وقد يتم من فوق الملابس أو أسفلها، وتتدرّج عقوبة هتك العرض حسب الحالة وعمر الضحية، وقد تصل إلى وضع الجاني بالأشغال مدة 20 سنة.

وأضاف عبيدات، أن جنحة المداعبة المنافية للحياء تعتبر تحرشًا، وتُعرف بأنها المساس بأجزاء من جسد الإنسان من غير العورات؛ مثل مد اليد على وجه الفتاة أو رأسها أو رقبتها، والحد الأدنى لعقوبة هذه الجنحة السجن مدة سنة، وإذا كان الفاعل في كل تلك الجرائم من الأصول أو الفروع أو المحارم أو المسؤولين عن الضحية قانونًا أو من ربائبها أو الذين يتولّون رعايتها، يُضاف إلى العقوبة ثلثها.

من جانبها، أوضحت الدغمي، أن هناك عددًا من الجرائم التي نص عليها قانون العقوبات تدخل في إطار التحرش الجنسي؛ وهي المداعبة المنافية للحياء، ويعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن سنة، وجريمة الفعل المنافي للحياء، ويعاقب عليها بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر.

وأضافت، أن تلك العقوبة لكل مَن عرض فعلًا منافًيا للحياء أو وجّه أي عبارات أو قام بحركات غير أخلاقية على وجهٍ منافٍ للحياء بالقول أو الفعل أو الحركة أو الإشارة، تصريحًا أو تلميحًا بأي وسيلة كانت.

وتابعت الدغمي، أن عقوبة جريمة الفعل المنافي للحياء في المكان العام هو الحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة مقدارها 200 دينار، وذلك لكل مَن فعل فعلًا منافيًا للحياء أو أبدى إشارةً منافية للحياء في مكان عام، أو في مجتمع عام، أو بصورة يمكن معها لمن كان في مكان عام أن يراه.

وأشارت إلى أن جرائم الاعتداء على العرض والاغتصاب تندرج ضمن أفعال التحرش، ويعاقب القانون كل من واقع أنثى (غير زوجة) بغير رضاها، سواءً بالإكراه أو التهديد أو الحيلة أو الخداع، بالأشغال المؤقتة مدة لا تقل عن 15 سنة، ويعاقب كل من هتك عرض إنسان، بالعنف أو التهديد، بالأشغال مدة لا تقل عن 4 سنوات، كما تُشدَّد العقوبة بإضافة ثلثها إلى نصفها إذا وقع الفعل ممن له سلطة شرعية أو قانونية.

قصور تشريعي

ولفتت الدغمي إلى وجود قصور تشريعي في قانون العقوبات الأردني، فهو بحاجة إلى إضافة تعريف واضح وصريح لجريمة التحرش الجنسي، وتجريم كافة السلوكيات والأفعال التي تندرج ضمن وصف التحرش الجنسي، مشيرةً إلى عدم وجود حماية للمبلغين والشهود والخبراء، الأمر الذي يستوجب إجراء تعديل في التشريعات بما يحمي هذه الفئات، كما ينبغي النص في القانون صراحةً على جريمة التحرش الإلكتروني.

وقالت إن العديد من الجُناة قد يفلتون من العقاب بسبب صمت غالبية الفتيات اللواتي يتعرضن للتحرش خشيةً من الوصمة المجتمعية والفضيحة أو تحميل الفتاة مسؤولية التحرش، مؤكدةً أن التبليغ عن المتحرش حمايةٌ للفتاة والمجتمع، ورادع لعدم التكرار والإفلات من العقاب.

عقوبة المتحرش الأستاذ مغلّظة

وبين عبيدات، أن العقوبة لا تتضاعف إذا وقع التحرش بأحد أشكاله داخل الحرم الجامعي، لكنها تُغلّظ إذا كان الفاعل أستاذًا؛ لأن المدرس من الأشخاص المسؤولين عن الضحية قانونًا، سواءً كانت أنثى أو ذكرًا، كما أن المشرّع غلظ العقوبة على الأستاذ الجامعي الذي يعتدي جنسيًّا على إحدى تلميذاته أو أحد تلاميذه بإضافة ثلث العقوبة الأصلية.

وأضاف، أن الأستاذ من الأشخاص الذين افترض فيهم القانون مستوى معينًا من الأمانة والموثوقية، فضلًا عن مكانة هذا المدرس في ضمير العملية التعليمية والتربوية، وبالتالي فإن إقدامه على ارتكاب فعل التحرش يُعرضه لعقوبة مُغلظة.

من جهتها، لفتت الدغمي إلى أن العقوبة تُغلّظ في جريمة المداعبة المنافية للحياء وجريمة الفعل المنافي للحياء إذا وقع الفعل ممن لديه سلطة قانونية أو شرعية، وفي حال تكرار الفعل لا يجوز تبديل عقوبة الحبس المحكوم بها بالغرامة.

وحول عقوبة التحرش إذا وقع من أستاذ جامعي، أوضحت أن نظام الهيئة التدريسية في الجامعات الأردنية ينص على الإحالة إلى المدعي العام إذا رأى الرئيس أو المجلس التأديبي أو أي لجنة تقوم بالتحقيق في أي مخالفة تأديبية أن المخالفة التي يتم النظر أو التحقيق فيها تُشكل جريمةً جزائية، وعندها، يُحيل رئيس الجامعة القضية إلى المدعي العام المختص لاتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها.

وأضافت الدغمي، أنه في هذه الحالة تُوقف الإجراءات التأديبية إلى حين صدور الحكم النهائي في القضية الجزائية، وفي حال صدور الحكم في القضية الجزائية بعدم مسؤولية عضو الهيئة التدريسية أو تبرئته من التهمة الجزائية التي نُسبت إليه، فإن ذلك لا يحول دون اتخاذ الإجراءات التأديبية بحقه.

إجراءات مبهمة

الخبيرة الفنية في النوع الاجتماعي وعدم التمييز في منظمة العمل الدولية، ريم أصلان، قالت إن ممارسات التحرش موجودة في كل دول العالم، كما تُشير أرقام منظمة العمل الدولية إلى أن واحدة من كل 3 نساء تعرضت للتحرش خلال حياتها، وعلى مستوى الأردن ما تزال هذه الممارسات مخفية، وهناك نحو 4 دراسات أُجريت محليًّا تتعلق بالعنف والتحرش.

وأضافت أصلان في حديثها لصحيفة “أخبار الأردن” الإلكترونية، أن هذه الدراسات في معظمها لم تكن معمقة واقتصرت على تغطية القطاع الخاص وليس العام؛ بما في ذلك دراسة اللجنة الوطنية لشؤون المرأة بالتعاون مع جهات أخرى، ودراسة اتحاد المرأة الأردنية، ودراسة منظمة أكشن إيد المنطقة العربية، بالإضافة إلى دراسة منظمة النهضة (أرض).

ولفتت إلى أن أغلب حالات التحرش لا تتقدم بشكوى ضد الفاعل؛ والسبب في ذلك هو غياب الإجراءات الواضحة داخل أماكن العمل، فمعظم المؤسسات في الأردن تفتقر للسياسات الواضحة في الحماية من العنف والتحرش في عالم العمل، وليس هناك نظام تحويل واضح للقضية في مؤسسات العمل والجهة التي ينبغي أن يلجأ إليها مَن تعرض أو تعرضت للتحرش.

وأشارت أصلان إلى أن مصطلح “العنف والتحرش” في عالم العمل يُعرف بأنه “مجموعة من السلوكيات والممارسات غير المقبولة أو التهديدات المرتبطة بها، سواءً حدثت مرة واحدة أو تكررت، تهدف أو تؤدي أو يحتمل أن تؤدي إلى إلحاق ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، وتشمل العنف والتحرش على أساس نوع الجنس”، وذلك بحسب الاتفاقية الدولية 190 والمتعلقة بالقضاء على العنف والتحرش في عالم العمل.

وشددت على ضرورة إيجاد مدونة سلوك أو سياسة واضحة لكل الموظفات والموظفين تتعلق بالحماية من العنف والتحرش في عالم العمل، لتكون بيئة العمل خالية تمامًا من أشكال العنف والتحرش، وأن تكون مفاهيم العنف والتحرش مكتوبة وواضحة لدى الجميع؛ تفاديًا لأي لُبس في هذا الجانب.

وطالبت أصلان بإيقاع عقوبة قاسية بحق المتحرش في عالم العمل، وإعادة تأهيله للاندماج مرة أخرى في بيئة العمل، وكذلك تعديل قانون العمل الأردني بما يتماشى مع معايير العمل الدولية والجهود الوطنية المبذولة، مبينةً أن لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان النيابية ما تزال تدرس تعديلات القانون المرتقبة.

الأنثى ضحية للمرة الثانية!

وحول الطبيعة المجتمعية وأسباب صمت الإناث عما يتعرضن له من تحرش، بين شتيوي، أن السبب الأساسي يتمثل بأن المجتمع الأردني محافظ ونطاقه ضيق بحيث يعرف أفراده بعضهم البعض، كما أن الإناث في المجتمع المحلي تخشى الإفصاح أو تقديم شكوى حول التحرش ضد أحد الأشخاص؛ خوفًا من التبعات الاجتماعية ونظرة المجتمع إليها.

وأضاف، أن نظرة المجتمع ما زالت تُدين المرأة بغض النظر عن دورها في القضية وبراءتها، حتى لو كان واضحًا أن الفتاة هي الضحية في هذه القضية، إلا أن المجتمع يجعل منها ضحيةً مرةً أخرى بإدانته للمرأة في هذه المواقف.

ولفت شتيوي إلى أن البنية الثقافية المؤسسية السائدة هي ثقافة وبنية ذكورية، وبالتالي فإن التعاطف مع النساء يكون قليلًا؛ لذا قد لا يكون هناك ثقة بالإجراءات المؤسسية عند الإناث في الكثير من الحالات، وبالتالي تخشى الفتاة الإساءة لسمعتها أمام المجتمع وعدم إيجاد نتيجة من تقديم الشكوى للجهات المعنية وسط بيئة محابية للذكور.

وأشار إلى أنه في حالة حدوث التحرش بين شخصين على انفراد، فإنه يصعب إثباته، وحينها تصبح كلمة الأستاذ مقارنةً ومقابلةً مع كلمة الطالبة أو الموظفة، وبالتالي يكون هناك صعوبة في إثبات التحرش، وغالبًا ما تحتاج اللجان إلى الأدلة لإثبات التحرش، وفي حالة غياب الدليل تسود الثقافة الأبوية في تحكيم الأمر، لا سيما وأن هناك نزعة مجتمعية للتعاطف مع الذكور أكثر من الإناث.

وبحسب “تضامن”، فإن “المعلومات والأرقام المتوفرة حول التحرش الجنسي ضعيفة ومتواضعة لأسباب متعددة؛ ومن أهمها ضعف التوعية القانونية للضحايا من الجنسين، وتردد الضحايا في الإبلاغ وتقديم الشكاوى خوفًا على السمعة، وعدم وجود ضابطة عدلية من النساء لاستقبال الشكاوى، والإجراءات القضائية الطويلة والتي تتطلب حضور الضحايا وتكرار الأقوال أمام جهات قانونية وأمنية وقضائية مختلفة، وعدم تشجيع أفراد الأسرة لتقديم هكذا شكاوى، إضافة إلى التسامح المجتمعي مع مرتكبي التحرش الجنسي بشكل خاص”.

الحل بيد المؤسسة

وشدد شتيوي على أن الحل ليس لدى الطالبة، إنما هو لدى المؤسسة، فالطالبات يدخلن الجامعات دون معرفة حقوقهن وحدودهن وكذلك حدود الأساتذة في التعامل معهن، وبذلك، فإن المنظومة الأخلاقية غير موضّحة مؤسسيًّا للأساتذة والطلبة على حدٍّ سواء؛ لذا لا بد من إصدار مدونة سلوك تُبين حدود علاقة الطلبة والأساتذة في الجامعات إلى جانب العقوبات المشددة في هذا الجانب.

وأضاف، يجب على الجامعة أن تطور من منظومتها السلوكية الأخلاقية بحيث تكون واضحة، وعلى المؤسسة أن تُحدد ما يمكن اعتباره تحرشًا من عدمه، وأن تُعرّف التحرش وتُبينه، وبالتالي يفهم الأستاذ حدوده والطالبة تعرف المواقف والممارسات التي تدخل في إطار التحرش، والمسؤولية تقع على عاتق المؤسسة في توضيح الحدود الفاصلة بين العلاقة الإنسانية العادية المهنية وبين التحرش.

وتابع شتيوي، أن التعامل في مواقف التحرش يستدعي التفهم والدعم من الأهل والأقارب والأصدقاء، حتى لا يزداد الأمر صعوبة، فالمجتمع يُدين الأنثى في هذه المواقف وهي غير مذنبة، وبالتالي على الفتاة أن تُنهي الأمر بطريقة تضمن عدم التعرض لسمعتها، وهو ما يتطلب جرأة أسرية؛ لذا لا يُترك حل المسألة للمجتمع وإنما تقع مسؤوليته على عاتق المؤسسة.

كيف تتصرف الأنثى تحت التحرش؟

وفيما يتعلق بكيفية إثبات جريمة التحرش، قالت الدغمي إنه يمكن إثبات جريمة التحرش بكافة الطرق، أي بالشهود والخبرة والرسائل، وغيرها من طرق الإثبات.

من جهته، دعا عبيدات، أي ضحية- سواءً كانت ذكرًا أو أنثى- تعرضت لأحد أشكال التحرش والجرائم الجنسية، إلى حفظ ملامح الفاعل جيدًا في حال لم تكن تعرفه، وأن تحاول قدر المستطاع إيذاء الفاعل، بحيث تترك علامةً على جسده لتظلّ شاهدًا على وقوع الاعتداء وقيامها بالدفاع عن نفسها.

وأكد ضرورة احتفاظ الضحية بأي مراسلات أو مخاطبات بينها والجاني، سواءً كانت مكتوبة أو مسموعة أو غير ذلك؛ لأنها تُشكل قرائن على وجود حالة من حالات التحرش، كما ينبغي على الضحية تبليغ عائلتها أو أصدقائها بما حصل معها بالتفصيل.

وأشار عبيدات إلى أن وجود شهود- حتى وإن كانت شهادتهم سماعية- يدعم موقف المجني عليه المشتكي ويزيد احتمالية إدانة المشتكى عليه ومعاقبته ومقاصصته؛ لأن الدلائل في جرائم الاعتداءات الجنسية تقتصر على شهادة المجني عليه وحده في معظم الأحيان، لا سيما وأن الاعتداء الجنسي عادةً ما يتم بعيدًا عن أنظار الناس.

وشدد على ضرورة أن تتوجه الضحية على الفور إلى إدارة حماية الأسرة وتتقدم بشكوى؛ لأن التلكؤ في تقديم شكواها له دلالات عند المحكمة بأنها غير جادة، وبالتالي لا تؤخذ أقوالها على محمل الجد، ويكون موقفها مُحاطًا بالشكوك، والحكم الجزائي يُبنى على الجزم والقطع واليقين لا على الشك والتخمين، مُحذرًا من أن أي تأخير ليس في صالح المجني عليه.

وبين عبيدات، أن موقف الدفاع عادةً في القضايا العائمة التي لا تكون الأدلة فيها الأدلة يكون أكثر تمكّنًا وقوةً من موقف النيابة العامة، على قاعدة أن قرينة البراءة تواكب الإنسان وتكون لصيقةً به، وأن النيابة إذا ما اتهمت شخصًا فيقع عليها عبء الإثبات بالدليل القاطع والجازم، وأن الدفاع أو الأدلة الدفاعية- وهي مختلفة عن أدلة الاتهام- لا ينبغي أن تعطي البراءة بل يكفي أن تُشكّك بأدلة النيابة العامة.

وتابع، يجب على الضحية أن تتحرك بسرعة وذكاء، وأن تذهب للإدارة بالحالة التي كانت عليها عند الاعتداء، بالملابس والهيئة ذاتها، دون الاغتسال أو الاستحمام أو تغيير الملابس أو غسلها وتنظيفها؛ تفاديًا لزوال الآثار والمواد العالقة أو الساقطة من جسم الجاني والتي تُشكل الأدلة الجرمية على وقوع الاعتداء.

وأضاف عبيدات، أنه ينبغي على الضحية عندما تُدلي بإفادتها في إدارة حماية الأسرة، أن تذكر الواقعة كما حصلت دون زيادة أو نقصان، وفقًا لتسلسلها الزماني والمكاني؛ لأن أي وقائع إضافية تُدلي بها في إفادتها أمام المدعي العام أو المحكمة بعد عدة أيام أو أشهر، تؤدي إلى وضع إشارات استفهام على شهادتها وتساؤلات حول السبب في عدم إدلائها بهذه الواقعة عند الشرطة منذ البداية.

ولفت إلى أن الشهادة الأولى التي يؤديها المجني عليه هي الأقرب للدقة؛ لأنها الشهادة المتلاحمة زمنيًّا مع الواقعة الجرمية، مشددًا على ضرورة أن تطّلع الضحية على الإفادة الأولى وتقرأها كاملةً للتأكد من مطابقتها للرواية التي سردتها وتضمين مجريات الحادثة بأكملها في الإفادة.

وأوضح عبيدات، أنه في حال تذكرت الضحية واقعةً معينة بعد الانتهاء من الإفادة، أو رغبت بإجراء أي تعديل لتصحيح الإفادة بعد قراءتها بسبب نقصان فيها أو اجتزاء أو اختلال في السياق، ينبغي على الضحية أن تطلب من الشرطة إجراء ذلك التعديل، ثم تقرأ الضحية إفادتها مرةً أخرى وتباشر التوقيع عليها في حال كانت مطابقة لروايتها والوقائع التي حدثت معها.

وأكد أهمية أن تحفظ الضحية الوقائع الجوهرية التي ذكرتها في شهادتها الأولى أمام الشرطة، وأن تؤكدها وتعيدها أمام المدعي العام بعد بضعة أيام وكذلك أمام المحكمة بعد عدة أشهر؛ لأن أي إخلال أو تناقض في الرواية يتعلق بالوقائع الجوهرية يُعتبر مؤشرًا على الكذب حسبما تفهم هاتين الجهتين الرسميّتين، وبالتالي تُهدر شهادة الضحية وتُطرح جانبًا.

وأضاف عبيدات، أنه ينبغي على الضحية أن توافق على إجراء الفحص الطبي وأخذ عينات من جسدها عندما يُعرض عليها ذلك من الشرطة، سواءً كان التحرش خارجيًّا أو أبلغ من ذلك، فامتناع المجني عليه عن الفحص الطبي مؤشر سلبي، في حين أن مجرد القبول بإجراء الفحص من شأنه أن يساعد الأجهزة الشرطية والتحقيقية في العثور على دليل اتهام يُضاف إلى شهادة المجني عليه، كما أنه يُشير إلى جدية المشتكي، والجدية تدل على المصداقية.

التحرش بين الأردنيين

أظهرت دراسة “ظاهرة التحرش في الأردن 2017” التي أعدتها اللجنة الوطنية الأردنية لشؤون المرأة، وأصدرت نتائجها أواخر العام 2018، أن ما نسبته (75.9%) من أفراد عينة الدراسة قد تعرضوا لمرة واحدة على الأقل لأحد أفعال وسلوكيات التحرش الجنسي في الأردن، فيما بلغت نسبة انتشار التحرش الإيمائي (89.1%)، والتحرش اللفظي (88.4%)، والتحرش الجسدي (68.7%)، والتحرش الإلكتروني (80.8%)، والتحرش النفسي (52.3%).

من جانبها، أوصت جمعية معهد تضامن النساء الأردني “تضامن”، بضرورة الإسراع في إقرار تعديلات قانون العمل، “والمتضمنة استخدام مصطلح التحرش الجنسي لأول مرة في النظام القانوني الأردني، والتوسع في تعريفه، وفي إجراءات الحماية والوقاية خاصة للنساء العاملات”، كما طالبت بالمصادقة على اتفاقية القضاء على العنف والتحرش في عالم العمل (اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190).

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى