fbpx

رسائل الماجستير والدكتوراه على المحك.. و”أخبار الأردن” يقتحم سوقها السوداء

أخبار الأردن

تحقيق: سوسن أبو غنيم

تحقيق استقصائي يكشف بالتسجيلات الصوتية والرسائل خفايا وفضائح ما يحدث خلف أسوار الرقابة

تعد التشوهات المتعلقة برسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات الأردنية، واحدة من أبرز التحديات التي تهدد أو تضرب سمعة التعليم العالي في الأردن، تلك السمعة التي تمكن المملكة من استقطاب أعداد أكبر من الطلبة حول العالم، الأمر الذي ينعكس إيجابا في جانب من جوانبه على الاقتصاد.

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عادة ما تؤكد متابعتها لكل ما يمكن أن يضر بسمعة الجامعات والعملية التعليمية، ومن بين ذلك سرقات رسائل الماجستير والدكتوراه، أو قيام طلبة بشرائها جاهزة مقابل مبلغ مالي.

لكن يبدو أن ما يمكن تسميتها بـ”الظاهرة”، آخذة بالتزايد والانتشار في “سوق سوداء”، حيث تلجأ مكتبات لبيع القرطاسية للقيام بإعداد الرسالة للطالب دون أن يبذل أي جهد سوى دفع المبلغ المالي، وكذلك يفعل أكاديميون ما تفعله المكتبات.

ولطالما طالب أكاديميون بوضع ضوابط صارمة تتعلق بالإشراف على تلك الرسائل، لا سيما اختيار المحكمين ضن آليات تضمن النزاهة الأكاديمية، والتزام المشرفين على الرسائل بعدد محدد من الطلبة يمكنهم من متابعة كتابة الرسالة أولا بأول لرفع سوية هذه الرسائل، محذرين من تفاقم الظاهرة وخروجها عن السيطرة.

أحد طلبة الماجستير، قال لـ”أخبار الأردن”، إن ظروفا صعبة أجبرته على اللجوء لشراء رسالته، إذ توجه بالفعل إلى مكتبة يتعاون “دكتور جامعي” معها في إعداد الرسائل الجاهزة للطلبة، وبأسعار متفاوتة حسب مضمونها، تتراوح بين 900 دينار، و2500 دينار، والأمر ذاته يحدث مع كثيرين، وإن بتفاصيل مختلفة.

“أخبار الأردن” يخوض التجربة 

“أخبار الأردن” قرر خوض التجربة بنفسه، إذ قامت معدة التحقيق بالتواصل مع إحدى المكتبات، بحجة  أنها تريد شراء رسالة ماجستير، مدعية أنها وقتها ضيق بسبب وظيفتها، فيما لم تتردد صاحبة المكتبة بقبول الأمر، وبدأت في الحديث عن التفاصيل.

فقد قالت صاحبة المكتبة، “إذا كان العنوان مصادره قليلة، هيك بكون سعر الرسالة أغلى، والأسعار تتراوح من 1000 إلى 1300 دينار، وهناك نظام دفع على 3 أجزاء”.

وأكملت “بنشرحلك الرسالة فصل فصل حتى ما تكوني مثل الأطرش بالزفة”، ومن ضمن الحديث نوهت صاحبة المكتبة إلى أن من يقوم بكتابة الرسالة دكتور متخص” .

كما تم التواصل مع مكتبة أخرى، وحدث ما حدث مع المكتبة السابقة، إذ لم يتردد صاحب المكتبة الأخيرة، بل بدأ مباشرة بالمفاوضة على السعر، قائلاً من باب التحفيز على اعتماده لإعداد الرسالة، “الي بتلاقيه عنا ما بتلاقيه عند غيرنا”.

 

الخطيب: إغلاق المكتبات المتورطة

الناطق الإعلامي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، مهند الخطيب، أكد لـ”أخبار الأردن”، أن الوزارة أطلقت قبل شهرين “إيميل”، يتابعه بشكل رسمي الوزير محمد أبو قديس، للإبلاغ عن أي نشاطات تضر بالعملية التعليمية، سواء سرقات رسائل ماجستير ودكتوراه، أو نشر إعلانات عبر مواقع التواصل، بشأن حل أسئلة امتحانات عن الطلبة.

وأشار الخطيب إلى أن الوزارة تعاملت مع 300 بلاغ وتم تحويلها للمدعي العام، وأحالت العشرات من هؤلاء الأشخاص للقضاء، بعد تدقيق الجرائم الإلكترونية والتوصل للشخص المعني.

وأكد، أن الوزارة ستعمل في الفترة المقبلة، على التواصل مع الأجهزة المختصة للعمل على إغلاق المكتبات التي تتعامل بهذا الإطار، وخاصة المكتبات المحيطة بالجامعات.

وعن نظام التدقيق والفحص والتشابه لكشف الرسائل المسروقة، أكد الخطيب أن هذه إجراءات داخلية للجامعات، ومن المفترض على القيادات الأكاديمية في الجامعات، أن تضع السبل الكفيلة للتأكد من صحة الرسائل.

التعليم الإلكتروني خلق بيئة خصبة لهذه السرقات

الخطيب كشف أيضا، عن تشكيل لجنة برئاسة عضو مجلس التعليم العالي الدكتور عزمي محافظة، وعضوية الأمين العام، وعضوية رئيس اللجنة القانونية، لتعمل على وضع تشريعات جديدة للأمانة العملية المتعلقة بسرقة رسائل الماجستير والدكتوراه والمجلة العلمية، للطلبة وأعضاء هيئة التدريس.

وأشار إلى أن الانتقال للتعليم الإلكتروني، عمل على تكوين بيئة خصبة زادت من مثل هذه السرقات، “ونحن نقف لها بالمرصاد وسنحد من نشرها بشكل كامل”.

لا تهاون بمواضيع السرقة العلمية

عميد البحث العلمي في جامعة اليرموك، الدكتور أيمن حمودة، يؤكد لـ”أخبار الأردن”، أن حالات السرقة يجب أن تثبت أولا، لذلك تعمل عمادة البحث العلمي على تشكيل لجنة تحقيق، للبحث في مجريات أي حادثة، والتحقيق بها، فإذا ثبتت قطعياً تقوم العمادة باتخاذ الإجراء المناسب.

وقال، إذا كان الطالب تخرج وتم اكتشاف السرقة فيما بعد، تقوم الجامعة بسحب الشهادة من الطالب، وإذا كان ما يزال على مقاعد الدراسة تقوم الجامعة بفصله نهائياً.

وأكد حمودة، أنه لا تهاون بمواضيع السرقة العلمية، لأنه موضوع مهم وخطير جداً، مشيرا إلى أن السرقة العلمية لها مفاهيم كثيرة، مثل نقل فقرة من مكان دون التوثيق، وهذه تعتبر سرقة علمية لكن لا ترتقي لسحب الشهادة.

ونوّه حمودة، إلى أن الدكتور المشرف على الرسالة يستطيع التمييز من خلال خبرته إذا كانت الرسالة مسروقة أو مكتوبة بتعب وجهد الطالب، إما عن طريق معرفة مستوى الطالب مقارنة بمستوى الرسالة، أو عن طريقة التشابه بين فقرات الرسالة لأن من يكتبها مقابل أجر مادي لن يكتبها بإتقان ومن بنات أفكارة، بل ستكون عبارة عن تجميع فقرات من أمكنة مختلفة، “هنا تعتمد على خبرة الدكتور لكشف الموضوع”.

برامج فحص التشابه لتحديد نسبة النسخ

وأشار حمودة إلى أن هناك برامج فحص التشابه، تحدد نسبة المنسوخ من مصادر أخرى، وتقوم بفحص مقدار التشابة الموجود مع المستوعبات الموجوده بالبرنامج، علماً أن نسبة النسخ المسموحة في المقالات العلمية 20%، على فقرات متباعدة وليست كاملة.

وأضاف، “لغاية الآن لم نستخدم تطبيق فحص التشابه في جامعة اليرموك، لأن الفرصة لم تسنح لنا بشرائه، وقريبا جداً سنطبقها”.

وأكد حمودة، أنه من المهم جداً تعليم الطالب على الأمانة العلمية، لأن هناك طرقا علمية للنقل، وبمقدار معين، ومثل هذه المواد يتم تدرسيها كمساقات في الماجستير والدكتوراه.

“مشيها ولا تدقق”

دكتور في جامعة حكومية فضل عدم ذكر اسمه، أكد بحديثه لـ”أخبار الأردن”، أنه ناقش أكثر من 100 رسالة مسروقة خلال مسيرته العملية، مؤكداً أن “الروس الكبيرة” بحسب وصفه كانت تقول له “مشيها ولا تدقق”.

وأضاف، “عندما كنت أذهب لإحدى الجامعات لمناقشة رسائل الطلبة، كانت نسبة السرقة في الرسالة تصل لـ99%، ومع ذلك يكون هناك أمر من الجامعة بقبول جميع الرسائل وعدم التدقيق على المحتوى”.

ووصف الدكتور شعوره آنذاك بـ”بركان يتفجر داخله”، متسائلا، “هل حقا وصلنا لمرحلة الاستخفاف بعقل الدكتور لهذا الدرجة؟.. الموضوع زاد عن حده”.

الخصاونة: تجربتنا ليست سارة

من جانبه، أكد الدكتور أنيس الخصاونة، أن العمل البحثي في المؤسسات الجامعية والمراكز البحثية المتخصصة يعول عليه كثيرا ويشكل منطلقا مهما في مسعى المجتمعات نحو الرفعة والتقدم.

وأشار إلى أن البحث العلمي ليس نشاطا موسميا يقوم به الباحث فقط لأغراض الترقيات والرتب العلمية كما هو واقع الحال في الأردن والعديد من الدول النامية، لكنه مسار متواصل قد يصرف الباحث جل حياته في سبر أغوار المجهول والبحث عن حلول لمشكلات تؤرق المجتمع.

وقال، “تجربتنا في الأردن في مجال البحوث العلمية وإنجازاتها، تجربة ليست سارة، حيث يسودها العجز وقلة الإنتاج العلمي وضعف المصداقية، والأسوأ من ذلك استشراء ظاهرة السرقات العلمية سواء في بحوث أعضاء هيئة التدريس أو طلبة الدراسات العليا، حالات متعددة تكتشف (وأخرى كثيرة يفلت أصحابها من اكتشاف سرقاتها) ويتم التحقيق فيها ويوجه إنذار للسارق ويبقى على رأس عمله يدرس أعداد غفيرة من الطلبة وينمي فيهم قيم ويعلمهم اصول البحث العلمي وأخلاقياته في الوقت الذي يفتقدها هو وكما قالت العرب فاقد الشيء لا يعطيه”.

من جانب آخر، فإن وجود مكاتب متخصصة تقوم بكتابة الرسائل لطلبة الماجستير والدكتوراه مقابل الأجر المادي يضع ظلالا كثيرة وشكوك أكثر عن جودة البحوث ومدى أهلية هؤلاء الطلبة لنيل درجات علمية بموجبها، وفق الخصاونة، الذي أكد أن البحث العلمي في الأردن في وضع مأزوم وينبئ بمستقبل مظلم وطلبة يحملون الألقاب والشهادات والرتب المزورة، مما ينذر بتدهور جامعاتنا وتراجع في جودة التعليم العالي.

سلوك السرقة لم يكن وليد اللحظة 

خبير علم الإجتماع، الدكتور حسين خزاعي، أكد أن سلوك السرقات العليمة مرفوض تماماً، ولا يجوز على أي عضو هيئة تدريس في أي جامعة أن يتغاضى عن هذا السلوك لأن فيه اعتداء على جهد الآخرين.

وأضاف الخزاعي، أن الإنسان الذي يدعي جهد وينسبه إليه هو إنسان مجرم، لأنه اعتدى على العلم وعلى المجتمع وعلى الدولة، ويجب مواجهته ومعاقبته.

وأضاف، “السرقه تعتبر مرفوضة شرعاً وعقلاً، وتشكل خطورة على المجتمع، وتؤدي إلى ترقية وترفيع من لا يستحق، لأن الترقية تحتاج لجهد وشقاء، فكل الجهود التي تقوم بها الجهات المسؤولة لكشف هؤلاء تستحق التقدير والاحترام”.

وأشار الخزاعي إلى أن المشرفين على رسائل الجامعات الأردنية يأخذون بعين الاعتبار متابعة طلابهم أول بأول، ومحاولة كشف أي خلل قبل الدخول للمناقشة، لأنه إذا حصل يكون بمثابة إحراج للجامعة وللمشرف وللطالب، خاصة وأن وسائل الكشف أصبحت اليوم سهلة جداً.

وأكد، أن من يلجأ لهذا التصرف هم أشخاص كسالى، ولا يريدون أن يقدموا أدنى جهد بالرغم من أن الرسالة تحتاج إلى عناء حتى تستلذ بطعمها، وهذا السلوك نشأ معهم منذ الصغر، ولم يأت وليد اللحظة، “منذ صغرهم كانو يمارسون الغش بالامتحانات، والاعتماد على غيرهم في عملية نجاحهم، وصاحبهم هذا الأمر بالكبر”.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى