fbpx

بعد أسوأ انكماش اقتصادي منذ 3 عقود.. متى يتنفس الأردن الصعداء؟

أخبار الأردن

شروق البو

يجابه الاقتصاد الأردني- كحال اقتصادات العالم- أزمةً اقتصادية صعبة خلقتها جائحة كورونا التي أمضت عامها الأول ولا تزال، إلا أن الأردن يعيش حالةً خاصة تُضاعف معاناته؛ نظرًا لهشاشة اقتصاده أصلًا قبل الجائحة، وهو ما حدث بشكل تراكمي مع السياسات الحكومية التي تفتقر للخطط والبرامج المجدية، بحسب مراقبين.

وشهد الأردن أسوأ انكماش اقتصادي منذ العام 1993، وفق ما ذكرت دراسة “الاقتصاد الأردني: سيناريوهات ما بعد الجائحة” التي أطلقها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وذلك بعد أن وصلت نسبة انكماش الاقتصاد الأردني إلى -2.2% خلال الربع الثالث من العام 2020، مقارنةً بنمو إيجابي بلغت نسبته 9.1% في الربع الثالث من العام 2019، بحسب دائرة الإحصاءات العامة.

وناقشت الحكومة خطتها لمرحلة التعافي الاقتصادي من آثار الجائحة مع أعضاء مجلس الأمة، في محاولةٍ منها للخروج من الأزمة بأقل الأضرار الاقتصادية، قاطعةً الوعود- على لسان وزير المالية، محمد العسعس- بأنها “لن ترفع العبء على المواطنين”، بالرغم من أن موازنة العام الحالي هي الأصعب في تاريخ المملكة.

من جانبهم، انتقد خبراء ضعف الأداء الحكومي لإنعاش الاقتصاد الذي انكمش نتيجةً للإغلاقات بالدرجة الأولى، مطالبين الحكومة بمجموعة من الإجراءات التي يمكن أن تُسهم في إنقاذ الاقتصاد الوطني وزيادة نموه خلال الفترة المقبلة، أبرزها توفير المطاعيم المضادة لفيروس كورونا لاحتواء الوباء والإسراع في تحقيق التعافي الاقتصادي.

الاقتصاد الأردني يمر بأسوأ حالاته

أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك الدكتور سامح العجلوني، قال لـ”أخبار الأردن“، إن الآثار السلبية للانكماش بالغة جدًّا، فهو مؤشر على انخفاض الإنتاج بشكلٍ عام، وتدني الطلب الكلي، يرافقه انخفاض في العرض الكلي، وارتفاع البطالة وفقدان الكثيرين مصادر دخلهم، وتباطؤ حركة الاقتصاد، وهذه المرحلة من أسوأ الحالات التي يمكن أن يمر بها الاقتصاد، خصوصًا إذا وصل إلى مرحلة التضخم الركودي.

وفي السياق ذاته، بين الخبير الاقتصادي الدكتور نائل الحسامي لـ”أخبار الأردن“، أن أثر الانكماش على الاستقرار الاقتصادي للدولة يتحدد خلال العام الحالي، فإما أن يتعافى الاقتصاد أو يبقى الأثر السلبي للانكماش منعكسًا عليه، لافتًا إلى أن الانكماش انعكس مباشرةً على مؤشرات الاقتصاد الكلي؛ مثل معدل البطالة، عجز الموازنة، وغيرها.

من جهته، أكد الخبير الاقتصادي، الأستاذ الدكتور قاسم الحموري، لـ”أخبار الأردن“، أن الأردن كان يعيش حالةً اقتصادية صعبة قبل الجائحة، ولا يجوز ربط كل المشاكل بالوباء، فالنمو كان أقل من 2%، والمديونية فاقت الـ30 مليارًا، كما أن البطالة كانت تقترب من معدل 20%، والوضع الاقتصادي الحالي أدى إلى الانكماش، وتراجع فرص العمل حتى وصلت البطالة لمعدلات غير مسبوقة في تاريخ الأردن.

الإغلاقات مسبب أساسي للانكماش

وفيما يتعلق بالعوامل التي ساقت الاقتصاد إلى حالة الانكماش، أوضح الحسامي أن الإغلاقات الداخلية والخارجية أدت إلى انكماش الاقتصاد لهذا الحد؛ لأنها تسببت بنقص الطلب الكلي، وهو ما انعكس على الاستهلاك الكلي وخفّض المؤشرات الأخرى، كما أن جزءًا كبيرًا من الصادرات الوطنية تضررت نتيجة تعطل التصدير لدول الخارج التي اضطرت إلى تنفيذ الإغلاقات.

وبالعودة إلى الحموري، فإن الانكماش يعني تباطؤ عجلة الاقتصاد وانخفاض النشاط الاقتصادي بشقّيه الاستهلاكي والإنتاجي، فالانكماش حدث نتيجةً للإغلاقات التي أدت إلى تراجع الإنتاج بعد توقف عمل الكثير من المنشآت وانخفاض الاستهلاك، وبالتالي تراجع الدخل القومي.

من جانبه، بين العجلوني أن أبرز العوامل التي أدت إلى الانكماش تتمثل بحالة “عدم اليقين” السائدة عند المستهلكين والمستثمرين، ما يجعلهم حذرين باتخاذ القرارات المالية، وبالتالي انخفاض الإنفاق وتراجع الاستثمار إلى درجة كبيرة، وكذلك ارتفاع معدل البطالة وما رافقه من تقليل ساعات العمل الذي انعكس سلبًا على الأجور وساهم في تقليل الإنفاق الاستهلاكي.

يشار إلى أن وزير المالية، محمد العسعس، قال في خطاب الموازنة أمام مجلس النواب، إن توقعات نمو الاقتصاد إلى 2.5% في العام 2021 تعتمد على فرضية استمرار النشاط الاقتصادي خلال الجائحة “دون فرض أي إغلاقات، وفي حال تم خلاف ذلك، فلن تتحقق توقعات نسب النمو هذه”.

السياسات الحكومية وراء الاقتصاد الضعيف

الخبير في الاقتصاد السياسي، زيان زوانه، قال لـ”أخبار الأردن“، إن الاقتصاد الأردني يعاني من الانكماش بسبب الجائحة كباقي اقتصادات العالم، إلا أن هناك أسبابًا خاصة تتعلق بالاقتصاد المحلي أدت إلى الانكماش؛ بما فيها ضعف النمو الاقتصادي منذ العام 2008، والسياسات الحكومية الخالية من البرامج والخطط الاقتصادية، الأمر الذي أضعف الاقتصاد ككل، سواءً بالنسبة للقطاع العام وخزينة الدولة، أو القطاع الخاص، أو الأفراد.

اتفاقيات دولية تضر بالصناعة الوطنية

وأشار الحسامي إلى وجود اتفاقيات دولية تضر بالصناعة المحلية؛ مثل الاتفاقيات الأردنية المصرية، والتي ينبغي تعطيلها وإعادة النظر فيها بشكلٍ مؤقت فقط؛ لزيادة الإنتاج المحلي الذي يعد مؤشرًا في غاية الأهمية لتحسين الاقتصاد بشكل عام.

ودعا الحكومة إلى تطبيق التجربة المصرية التي تمكنت من إنقاذ الاقتصاد المصري خلال الأعوام الخمسة الماضية على مستوى الاقتصاد الكلي، وزيادة النمو الاقتصادي بنحو 6%، مبينًا أن هذه التجربة كانت تهدف إلى زيادة حصة الصناعة الوطنية في السوق المحلية.

وكان رئيس غرفتي صناعة الأردن وعمان، المهندس فتحي الجغبير، قد طالب الحكومة بتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل مع مصر؛ خصوصًا وأنها تضع “عراقيل إدارية وفنية” أمام الصادرات الوطنية تحد من تدفقها، في حين أن الأردن لا يفرض مثل هذه الشروط على الشركات المصرية.

حكومة “بين نارين”

وحول الأداء الحكومي لإنقاذ الاقتصاد من آثار الجائحة، رأى العجلوني أن الحكومة تحاول وتجتهد لتحسين الاقتصاد، إلا أنها تعيش ظرفًا صعبًا؛ نظرًا لسوء الحالة الاقتصادية من جهة، وخطورة الحالة الوبائية من جهة أخرى، والمفاضلة بين هذين الوضعين ليس بالأمر السهل.

ومن وجهة نظر الحسامي، فإن البنك المركزي أدى دوره المطلوب- نوعًا ما-، وهذا فيما يتعلق بالسياسة النقدية، إلا أنه من حيث السياسة المالية، ينبغي على وزارة المالية أن تذهب باتجاه السياسة المالية التوسعية بشكلٍ أكبر؛ لتخفيف آثار الجائحة على الشركات الصغيرة والمتوسطة وعدم الاضطرار لإغلاقها، مشددًا على ضرورة توفير حزم إنقاذ لهذه الشركات.

وأضاف، أن وزارة الصناعة والتجارة والتموين، مطالبة بوضع سياسة واضحة لتمكين الشركات ومحاولة إيجاد حلول جديدة غير نمطية، بحيث تُسهم في استدامة الشركات، وسلامة المنشآت، وزيادة الطلب على السلع والخدمات.

التعافي الاقتصادي مقرون بالقوانين المُسنة

رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار النيابية، النائب خالد أبو حسان، قال لـ”أخبار الأردن“، إن دور مجلس النواب في التعافي الاقتصادي من آثار الجائحة يكمن في مراجعة الإجراءات الحكومية التي تم اتخاذها مؤخرًا، والجلوس على طاولة الحوار مع الحكومة لمناقشة القوانين التي يتم إقرارها خلال الفترة المقبلة، ومدى تأثيرها على الاقتصاد، وقدرتها على تخفيف الضرر على المواطنين، وكيفية تحقيق التعافي الاقتصادي من خلال هذه القوانين، وهذا الدور تؤديه اللجنة في مناقشاتها مع الحكومة.

توفير المطاعيم ضرورة لتعافي الاقتصاد

وشدد زوانه على ضرورة توفير اللقاحات، وتجويد إدارة التطعيم، وضبط العملية الإعلامية في التواصل مع المواطن بخصوص اللقاحات بدلًا من الحالة “المنفلتة” كما هي الآن، والتطبيق الصارم لقواعد الوقاية من الفيروس، وشفافية الحكومة مع المواطن، مشيرًا إلى أن هذه المقترحات هي الحلول الفعالة في ضوء الإمكانات المحدودة للحكومة وعدم قدرتها على توزيع الدعم للمواطنين والقطاعات المتضررة.

من جانبه، أكد الحسامي أن توفير المطاعيم وتلقيح أكبر شريحة ممكنة من المواطنين يلعب دورًا مهمًّا في تسريع التعافي الاقتصادي، وبدون ذلك تبقى الدولة في دوامة الوهم والتخوف من الوباء.

خيارات عديدة أمام الحكومة

ودعا العجلوني الحكومة إلى اتباع سياسات من شأنها المساهمة في إخراج الاقتصاد من حالة الركود؛ مثل زيادة الإنفاق الحكومي، تخفيض الضرائب، تقليل سعر الفائدة، الاهتمام بالقطاع الزراعي الواعد، تخفيف القيود على استيراد بعض المواد الخام، التراخي المدروس فيما يتعلق بالتنظيمات والتشريعات الضابطة، والتشارك مع القطاع الخاص والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني في وضع الحلول الابتكارية.

كما دعا الحسامي إلى تطبيق سياسة مالية توسّعية لزيادة الإنفاق، بحيث تتحمل الدولة ارتفاعًا في المديونية بهدف إحداث نمو اقتصادي، مبينًا أن هذا النمو- إن تحقق- سيتمكن من مكافحة الدين مع مرور الزمن؛ لذا ينبغي على الحكومة أن تسعى لزيادة النمو والإنتاج المحلي والاعتماد على الذات، الأمر الذي من شأنه تحسين المؤشرات الاقتصادية.

أما زوانه، فأكد أهمية معالجة قضايا ارتفاع الكلف، وأبرزها الطاقة واشتراكات المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، إلى جانب القضاء على البيروقراطية الرسمية.

من جانبه، شدد أبو حسان على ضرورة رسم خطط وبرامج لإخراج الاقتصاد من تحدي كورونا، بحيث تكون مبنيةً على التكيف مع الحالة الوبائية، لا سيما وأن نهاية الجائحة غير معروفة، كما ينبغي أن تضمن هذه الخطط تطبيق القوانين واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالفين، وعدم معاقبة الملتزمين بالإغلاقات على إثر وقوع مخالفات من بعض المواطنين.

ولكن.. متى سيتعافى الاقتصاد الأردني؟

وحول التوقعات بشأن التعافي الاقتصادي، شدد الحموري على ضرورة وجود فريق اقتصادي قادر على إدارة اقتصاد الدولة، وهو ما يتطلب بالأصل حكومةً تملك الولاية العامة وتكون صاحبة قرار ورؤية، وأن تُفكر خارج الصندوق، إلا أن الحكومات لا تزال تتشكل بالكيفية ذاتها عن طريق “المحاصصة”، وفقًا للمناطق والعشائر، وبذلك لا يمكن أن تكون الحكومة قادرة على إخراج الأردن من الوضع الاقتصادي الصعب، وتقديم حركة إصلاحية.

وتابع، أن الاقتصاد الأردني صغير الحجم ويحتاج لإدارة جيدة، لكنه من الصعب توقع الأمور من حيث تعافي الاقتصاد؛ لأنه في حال بقيت الحكومة على نهجها، سيكون من الصعب تحقيق التعافي، لكن إن اجتهدت الحكومة وعالجت ملفات الطاقة والكهرباء والنقل، وخفّضت الفوائد البنكية، وقللت أعداد الوزارات والمؤسسات المستقلة، سيكون هناك إصلاح وتعافٍ اقتصادي سريع.

ومن وجهة نظر زوانه، فإن التعافي سيكون “بطيئًا ومؤلمًا” لجميع الأطراف، بمن فيهم الخزينة العامة، والقطاع الخاص، والأسر والأفراد؛ لأن الجائحة قد تستمر لسنوات، وآثارها الاقتصادية تبقى لسنوات أطول، مع افتراض قيام الحكومة بمسؤولياتها.

أما الحسامي، فقال إن التعافي الاقتصادي يعتمد على “أداء المرض”، ليس فقط على الصعيد المحلي وإنما على مستوى العالم بأكمله، مشيرًا إلى أنه في حال انتهاء الوباء سريعًا يُصبح هناك “صدمة” في الطلب الكلي، وتنتعش الحركة الاقتصادية وتعود لما كانت عليه قبل الجائحة.

مؤشرات أخرى

شملت أبرز القطاعات الاقتصادية التي حققت تراجعًا في النمو وساهمت في الانكماش خلال الربع الثالث من العام 2020 مقارنةً بالفترة ذاتها من العام 2019 قطاعات الفنادق والمطاعم، ثم النقل والتخزين والاتصالات، تلاه قطاع الخدمات الاجتماعية والشخصية، ثم الإنشاءات، تلاه قطاع الصناعات التحويلية، بحسب دائرة الإحصاءات العامة.

وتوقع البنك الدولي مؤخرًا، أن يسجل الاقتصاد الأردني نموًا بنسبة 1.8% خلال العام 2021، ليرتفع إلى 2% العام المقبل، موضحًا أن التعافي الاقتصادي يعتمد على درجة احتواء الوباء، واستقرار أسعار النفط، وعدم تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتوزيع لقاح مضاد لفيروس كورونا في النصف الثاني من العام الحالي.

ويُذكر أن مؤشر ثقة المستهلك الأردني لشركة “إيبسوس” (JCSI) وصل إلى أدنى مستوياته في الربع الثاني من العام 2020، كما جاء “إنعاش الاقتصاد وحماية سبل العيش على رأس قائمة أولويات الأردنيين فيما يتعلق باحتواء انحسار الجائحة”، بحسب دراسة “الاقتصاد الأردني: سيناريوهات ما بعد الجائحة” التي أجراها مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية.

ويُعرف مؤشر “إيبسوس” لثقة المستهلك الأردني بأنه “مسح وطني ربع سنوي يقيس مواقف المستهلكين حول الوضع الحالي والمستقبلي للاقتصاد المحلي، والوضع المالي الشخصي، وكذلك الثقة في القيام باستثمارات كبيرة، والقدرة على الادخار”.

اخبار ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى