أبو زينة يكتب: عالقون بين "المحسوب" واللامتوقع..!
علاء الدين أبو زينة
فجر أمس، ضغطت الولايات الأميركية والكيان الصهيوني زر التفجير لبرميل بارود جديد في المنطقة. ومن المبكر جدا التحدث بثقة عن المسارات والمآلات، لكنّ بالوسع الاجتهاد بأن أي حرب يكون التحالف الأميركي-الصهيوني طرفا فيها لا يمكن أن تنطوي على أي خير للشعوب العربية وقضاياها أو للمنطقة. وكان من المدهش بما يكفي رؤية نفس المدافعين عن أعمال ثنائي عدواني لا يمكن الدفاع عنه، ويضعون عمل الحرب الحالي في إطار «تطهير» المنطقة و»إحلال السلام والازدهار بشكل نهائي»!!
كبداية، ردت إيران على هجمات الكيانين العدوانيين أمس باستهداف مصالح وقواعد أميركية في دول عربية، إضافة إلى الكيان. وينقل هذا الرد المواجهة إلى مستوى أخطر من مجرد تبادل ضربات بين خصمين مباشرين. وما يقوله هذا التطور هو أن الحرب على إيران لن تكون محصورة في حدودها أو في جبهة الكيان، وأنها ستشمل المجال الحيوي الأميركي في المنطقة، حيث تتداخل القواعد العسكرية، والمصالح الاقتصادية، والتحالفات الأمنية مع السيادة العربية والجغرافيا السكانية.
بدد الرد الإيراني وهم فكرة «احتواء التصعيد». عندما تُستهدَف مصالح وقواعد أميركية داخل دول عربية، فإن هذه الدول تصبح جزءا من مسرح العمليات بحكم الأمر الواقع، حتى إن لم تكن طرفا في قرار الحرب. ويطرح هذا الوضع على الحكومات حل معضلة الحفاظ على أمنها الداخلي ومنشآتها الحيوية، بينما تحاول منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تستجلب ردودا إضافية على أراضيها. وقد يفرض أي خلل أمني أو إصابة كبيرة ضغوطا سياسية داخلية ويحرج السلطات أمام رأي عام لا يريد أن يكون طرفا في حرب إقليمية.
في سياق موازين القوى، تحاول إيران بهذا الرد تثبيت معادلة ردع قوامها أن استهدافها سيُقابل بتوسيع ساحة المواجهة ورفع كلفتها على واشنطن وحلفائها. ويبدو أنها لا تراهن في ذلك على التفوق العسكري التقليدي، وإنما على قدرتها على التشبيك الجغرافي، وعلى انتشار المصالح الأميركية في نطاق يمكن الوصول إليه بصواريخ أو طائرات مسيّرة أو أدوات غير عسكرية متماثلة. في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة والكيان تفوقا نوعيا في القوة الجوية والاستخبارات والقدرات التدميرية، وهو ما قد يعني ترجمة أي تصعيد إضافي إلى ضربات عنيفة داخل إيران نفسها.
يجعل هذا التباين في أدوات القوة من المرحلة المقبلة رهينة لحسابات دقيقة. ربما تختار أميركا ردا محدودا ومدروسا يهدف إلى استعادة الردع من دون الانجرار إلى حرب شاملة. وربما تتسع الضربات لتطال بنى تحتية عسكرية واقتصادية إيرانية أعمق، فترد إيران بالمزيد من توسيع دائرة الاستهداف، سواء في الساحات القريبة في الجوار أو بتهديد الملاحة والطاقة في الخليج. وفي هذه الحالة ستكون المنطقة أمام حرب متعددة المستويات يصعب ضبطها.
سيكون التأثير على العرب مباشرا وحادا. على مستوى الاقتصاد، سيهدد أي تصعيد استقرار أسواق النفط والغاز، ويرفع كلفة التأمين والشحن بما ينعكس على الموازنات والأسعار. وربما تستفيد دول الخليج من ارتفاع أسعار النفط على المدى القصير، لكنها ستواجه تهديدا للاستقرار الأبعد الذي قامت عليه خططها التنموية الإستراتيجية. وستتلقى الدول العربية غير النفطية الصدمة من بوابة التضخم وارتفاع فاتورة الطاقة والغذاء.
سياسيا، ستتعرض التحالفات القائمة لاختبار قوي. ربما تجد بعض دول المنطقة التي تستضيف قواعد أميركية نفسها مطالبة بتوضيح حدود انخراطها، أو بالسعي إلى تحييد أراضيها قدر الإمكان. وفي الوقت نفسه، ربما ترى مصالح أخرى لها في استضافة هذه القواعد. وربما يتطلب إيجاد التوازن الدقيق تكثيف بعض العواصم اتصالاتها الدبلوماسية لاحتواء الموقف، أو الحفاظ قدر الإمكان على ما حققته مسارات التهدئة التي بدأت مع طهران في السنوات الأخيرة.
على مستوى الرأي العام، ثمة شعور بأن المنطقة تُدفع مرة أخرى إلى مواجهة مفتوحة لا تخدم أولويات شعوبها. ثمة الذين يعارضون سياسات إيران الإقليمية، لكن هناك أيضا رفض واسع لتحويل العواصم العربية إلى ساحات ردّ وتبادل للرسائل بالنار. وقد ينعكس هذا التوتر الشعبي في شكل استجابات حدّة -وربما مطالبات بإعادة النظر في طبيعة التموضع الإقليمي.
استراتيجيا، يشكل ما يحدث مرحلة انتقالية في ميزان القوى لصالح الطرف الأكثر استعدادا لتحمل عض الأصابع. من جهة، تسعى إيران إلى إثبات أن ضربها لن يمر بلا ثمن إقليمي. ومن جهة أخرى، تحاول أميركا وحليفها الصهيوني ترسيخ صورة المتفوق الذي لا يُقهر ولا يمكن تحديه. وبين هذين المسارين تواجه الدول العربية معادلة صعبة: كيف يمكن أن تحمي أمنها ومصالحها وتمنع تحوّل أراضيها إلى ساحة تصفية حسابات بينما تشاهد قواعد الاشتباك التقليدية وهي تتآكل؟ سوف تحدد الإجابة مسار هذه الجولة، وربما شكل النظام الإقليمي في السنوات المقبلة.