فخ الخيارات الثلاث في غزة

 

قال الصحفي الفلسطيني من غزة وسام عفيفة إن مؤتمر واشنطن لم يكن معنيًا بإعادة الإعمار بقدر ما كان إعلانًا صريحًا عن دخول الحرب طورها الأكثر تعقيدًا، والمتمثل في الانتقال من المواجهة العسكرية المباشرة إلى إعادة بناء المجالين الأمني والسياسي عبر أدوات التمويل المشروط، والانتشار متعدد الجنسيات، وإعادة تركيب منظومة الحكم.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية، أن التعهدات التي قاربت 17 مليار دولار، بالتوازي مع مقترحات نشر قوة استقرار دولية قوامها 20 ألف جندي، وشرطة انتقالية بنحو 12 ألف عنصر، تكشف عن إعادة ضبط موازين القوة، وتفكيك البنى المسلحة، وإعادة توزيع الشرعية السياسية ضمن معمار أمني جديد ذي مرجعية دولية.

وبيّن عفيفة أن التكرار الكثيف لمصطلح "نزع السلاح" في الخطاب الدولي يخفي سؤالًا أعمق يتعلق بمن يمتلك حق تعريف الأمن في غزة، وهل يُعاد إنتاجه بقرار وطني توافقي يعكس الإرادة الجمعية، أم يُفرض عبر ترتيبات فوقية تستند إلى اختلال ميزان القوة الدولي.

واعتبر أن طرح رفح نقطة اختبار يمثل مقاربة تدريجية لإعادة تشكيل الحوكمة الأمنية، مضيفًا أن المدينة تُقدَّم بوصفها نموذجًا أوليًا لإدارة انتقالية تمزج بين التمويل الخارجي والانضباط الأمني المحلي، بحيث يشكل نجاح التجربة مدخلًا لتعميمها، فيما قد يتحول إخفاقها إلى مبرر لتشديد الشروط وإعادة صياغة المشهد بصرامة أكبر.

وطرح عفيفة ثلاثة مسارات أمام المقاومة، لكل منها كلفته الاستراتيجية ومآلاته المركبة، قائلًا إن المسار الأول يتمثل في الرفض والمواجهة المفتوحة، وهو خيار عالي المخاطر قد يعيد إنتاج دورة العنف، ويُبقي الإعمار رهينة الاشتباك، ويفتح المجال أمام تفكك داخلي وصعود فواعل غير منضبطة.
وأضاف أن المسار الثاني يقوم على "المقايضة المنظمة"، أي إعادة تموضع للسلاح بدل تسليمه، عبر إخراج القدرات الهجومية بعيدة المدى ضمن صفقة بضمانات دولية، ودمج أدوات حفظ النظام في جهاز شرطة بمرجعية وطنية، مقابل ترتيبات ملزمة لفتح المعابر وضمان تدفق الإعمار، بما يحول القوة من أداة صدام إلى ورقة تفاوض ضمن معادلة سياسية جديدة.

وأشار إلى أن المسار الثالث هو "الاستنزاف الصامت"، وهو الأخطر لأنه تراكمي وبطيء، ويتجلى في التآكل الداخلي، والفوضى الأمنية، وصعود الوكلاء المحليين، وصولًا إلى تسليم تحت ضغط الانهيار ومن دون ضمانات سياسية حقيقية.

وحذر عفيفة من أن الأمن في غزة وظيفة يومية تتجسد في خبز مستقر، ومعبر مفتوح، ومستشفى يعمل، ومدرسة تستأنف، منوهًا إلى أن من ينجح في ضمان هذا "الأمن الوظيفي" يكتسب شرعية واقعية تتجاوز الخطاب والشعارات.

وخلص إلى أن معركة ما بعد الحرب ستحسم في قدرة أي صيغة انتقالية على منع الفراغ الأمني، وضبط الفواعل المسلحة، وتحصين المجتمع من الانزلاق إلى جولة جديدة من الانفجار، محذرًا من جوهر الصراع أصبح يدور حول توقيته، وآليات تنفيذه، وضماناته السيادية، لا حول مبدأ نزع السلاح بحد ذاته.