دور النساء في المقاومة التاريخية ضد الحملات العثمانية في السعودية

شكّلت مقاومة الحملات العثمانية في الدرعية وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولى اختباراً قاسياً لقدرة المجتمع على الصمود. وفي مثل هذه السياقات، لم تكن المواجهة حِكراً على الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى الفضاء الاجتماعي بأكمله. حيث لعبت المرأة دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره في ظل الحصار والدمار.

قالت الدكتورة فاطمة بنت حسين آل فردان القحطاني، أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، إن الحديث عن الحضور النسائي في المقاومة لا يعني بالضرورة إقحام المرأة في صور قتالية نمطية، بقدر ما يعني الاعتراف بأدوار واقعية فرضتها طبيعة المجتمع والظرف التاريخي. فقد تجلّت هذه الأدوار في عدة جوانب رئيسة.

الصمود اليومي

أوضحت أستاذة التاريخ أن الدرعية لم تكن، خلال حصارها في مواجهة الحملة العثمانية، ساحة قتال عسكري فحسب، بل فضاء لمقاومة مجتمعية شاملة كانت النساء في قلبها. فقد شاركت نساء الدرعية في الصمود اليومي للحياة تحت الحصار، من خلال إدارة شؤون الأسرة في غياب الرجال، وحماية الأطفال والممتلكات، ورعاية الجرحى، وتأمين ما أمكن من الغذاء. وتكشف التقارير العثمانية نفسها أن المدينة لم تُحاصَر بوصفها قوة عسكرية منفصلة، بل بوصفها مجتمعاً كاملاً.

وتكشف بعض الشهادات الأجنبية عن ملامح أخرى من المقاومة النسائية المنسية، لا بوصفها دعماً خلفيّاً فحسب، بل بوصفها حضوراً جسوراً في قلب المواجهة. فقد نقل هارفرد بريدجز، المكلّف من قِبل الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، وصفاً دقيقاً لإحدى لحظات القتال. حيث علم الإمام عبد الله بن سعود بغياب إبراهيم باشا عن المعسكر، وأصدر أوامره بضرب خطوط الأتراك كافة. ويشير الوصف إلى أن المعركة دارت بعنف وصلابة، واستمرت نيران البنادق ساعات طويلة في ظروف مُناخية قاسية.

من التحصين إلى اليقظة الأمنية

في سياق المشاركة النسائية التي تجاوزت حدود الدعم التقليدي، أبرزت القحطاني أحداث بلدة شقراء سنة 1233هـ/1818م مثالاً واضحاً على انخراط النساء في الجهد الدفاعي العملي زمن حملة إبراهيم باشا. فقد كانت شقراء محاطة بخندق بدأ العمل فيه منذ أيام طوسون باشا، ومع تصاعد التهديد، أمر أمير البلدة باستكماله. وفي هذه اللحظة الحرجة، هبَّ السكان جميعاً رجالاً ونساءً، حيث شاركت النساء في أعمال الحفر وتقديم العون.

وزادت الدكتورة فاطمة القحطاني بالقول: "يُضاف إلى أدوار الصمود والدعم أن نساء الدرعية ومناطق المقاومة كُنّ حاضرات الذهن، مشاركات في الوعي الأمني العام للحرب. وتُورد الروايات المحلية أن القوات العثمانية حاولت حفر نفق أسفل سور المدينة للتسلل إليها ليلاً، غير أن امرأة كانت تطحن في ساعات متأخرة من الليل انتبهت إلى الأصوات غير المألوفة. فتوجهت إلى أمير المدينة وأبلغته بما سمعت، مما ساهم في تنبُّه المدافعين إلى الخطر.

الحضور العسكري

لم يقتصر حضور النساء في مقاومة الحملات العثمانية على أدوار الدعم والصمود فحسب، بل تشير القراءة السياقية للمصادر النجدية والعثمانية إلى وجود مشاركة نسائية عسكرية ظرفية في لحظات الخطر القصوى. حيث أصبح حمل السلاح أحياناً فعلاً دفاعياً عن النفس والمكان. ورغم أن المصادر لم تُفرد أسماء نسائية محددة، فإن الإشارات العامة إلى القتال داخل المدينة تفتح المجال لفهم أوسع لدور النساء.

وذكرت أن غالية البقمية تُعدّ من أبرز النماذج التاريخية التي تُجسّد الحضور النسائي العسكري المباشر. فقد أشار القنصل الفرنسي في القاهرة إلى الأوضاع التي رافقت الحملات العثمانية، ومنها وصول القوات العثمانية إلى تربة ومحاصَرتها ثلاثة أيام متتالية. وكان لغالية البقمية دور محوري في ذلك، حيث عملت على رفع معنويات المدافعين من رجال قبيلتها.

ويكشف هذا المثال أن مشاركة المرأة في المقاومة لم تكن حاضرة في الهامش فحسب، بل تجلّت في حالات مفصلية، وفي أدوار قيادية عسكرية أسهمت مباشرة في تغيير مسار المواجهة. ويظل يوم التأسيس مناسبة للتذكير بأن قوة الدولة السعودية منذ نشأتها لم تكن في السلاح وحده، بل في مجتمع متماسك آمَن بفكرته ودافع عنها.

أدّت النساء، إلى جانب السلاح والصمود، دوراً تحفيزياً بالغ الأثر عبر الكلمة والموقف. وهو دورٌ قلّما توقّف عنده التدوين التاريخي التقليدي. ففي مجتمعات الجزيرة العربية، كان للصوت النسائي أثره العميق في ترسيخ قيم الشجاعة والثبات. وتبرز موضي بنت سعد الدهلوي كواحدة من شاعرات تلك الفترة.

واختتمت القحطاني قراءتها بالقول: "تمثّل الكتابة عن الحضور النسائي في مقاومة المحتل مدخلاً مهماً لتعميق الوعي بتاريخ الدولة السعودية المبكر. ويظل يوم التأسيس مناسبة للتذكير بأن قوة الدولة لم تكن في السلاح وحده، بل في مجتمع متماسك آمَن بفكرته ودافع عنها."