هل يُنقذ حصر صرف الدواء بالوصفة الطبية صحة المرضى أم يُربك النظام الصحي؟
قال اختصاصي أمراض وجراحة اللثة الدكتور رائد الخريسات إن الدعوة إلى حصر صرف المضاد الحيوي بالوصفة الطبية ضرورة صحية وأخلاقية، هدفها حماية المريض من مخاطر التداخلات الدوائية، والجرعات العشوائية، ومقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية، إلى جانب إعادة الاعتبار للدور التشخيصي للطبيب بوصفه الحلقة الأهم في معادلة العلاج، لا سيما في ظل تنامي ممارسات صرف الدواء دون تقييم سريري كافٍ.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذه المسألة تتضاعف حساسيتها عند الحديث عن مسكنات الألم، خصوصًا في طب الأسنان، حيث يُساء استخدامها بوصفها حلًا سريعًا للألم رغم أنها لا تعالج السبب الجذري، محذرًا من أن الإفراط فيها يقود إلى مضاعفات صحية خطيرة قد تبدأ بقرحة معدية وتنتهي بمشكلات كلوية.
وبيّن الخريسات أن طرح فكرة اشتراط الفحص المخبري مع كل وصفة طبية، رغم وجاهتها النظرية، يصطدم بواقع الممارسة اليومية، إذ يثقل كاهل الطبيب والمريض معًا، ويصلح في سياقات محددة داخل المستشفيات للمرضى الخاضعين للمتابعة، لكنه يظل صعب التطبيق في العيادات الخارجية التي تعتمد بدرجة كبيرة على الخبرة السريرية والتاريخ المرضي ومؤشرات الفحص المباشر لاتخاذ القرار العلاجي، بما في ذلك وصف بعض المضادات الحيوية عند توافر دلائل واضحة.
ولفت إلى أن الحالات التي يكون فيها التشخيص ملتبسًا أو الأعراض غير دقيقة تستدعي بطبيعتها اللجوء إلى الفحوص المخبرية، غير أن ذلك لا ينفي الحاجة أحيانًا إلى بدء علاج أولي واسع التغطية لحين ظهور النتائج، محذرًا من أن تحويل التحاليل إلى شرط إلزامي سابق لكل وصفة قد يربك مسار العلاج ويؤخر التدخل الطبي في حالات تستدعي سرعة القرار.
واستطرد الخريسات قائلًا إن الواقع العملي يفرض تحديات معقدة، أبرزها كثافة المراجعين وضيق الوقت المتاح للفحص السريري، ما يجعل فرض إجراءات معيارية صارمة دون مرونة كافية عاملًا إضافيًا في تعقيد المشهد الصحي، وقد يدفع المرضى إلى مسارات غير ضرورية تبدأ بالمختبر قبل العيادة، لتنتهي أحيانًا بتشخيصات بسيطة أو أعراض عابرة لا تستدعي أصلًا تدخلًا دوائيًا.
وأشار إلى أن كثيرًا من الحالات الطارئة، خاصة الليلية منها، تُدار مؤقتًا عبر تواصل مباشر مع الطبيب أو وصفات أولية إلى حين المراجعة، منبهًا من أن تضييق هذه المساحات العملية قد يؤدي إلى ضغط هائل على أقسام الطوارئ وإرباك منظومة تقديم الخدمة، بدلًا من تحسينها.
وخلص الخريسات إلى أن تنظيم صرف الدواء فكرة جوهرية لحماية الصحة العامة، غير أن نجاحها مرهون بدقة تصميمها ومرونة تطبيقها، فالتشريعات التي تُبنى على نوايا صحيحة قد تتحول إلى عبء إن لم تُصغ بوعي يراعي الواقع الطبي وتعقيداته، متابعًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في مبدأ التنظيم بحد ذاته، وإنما في القدرة على إدارة التفاصيل دون الإضرار بجودة الرعاية أو إبطاء الوصول إلى العلاج.