ملكاوي يكتب: الوعي الزائف… حين يزوّر الاختلالات الجوهرية
موفق ملكاوي
أخطر ما تعيشه المجتمعات اليوم لا يكمن في فقر الإنتاج أو الاضطراب السياسي فحسب، بل في حالة أكثر قتامة تتمثل في الوعي الزائف الذي يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويغدو بنية صامتة تنظم نظرتنا إلى العالم من دون أن نشعر. ثمة فرق عميق بين اللاوعي بوصفه حالة إنسانية طبيعية، وبين الوعي الزائف الذي يعيد تعريف الواقع بطريقة تخفي اختلالاته الجوهرية، فيتحول الإنسان إلى جزء من منظومة يتكيف معها باعتبارها قدرا لا مفر من، من دون أن يسائل شروطها.
قبل أكثر من قرن ونصف، كتب كارل ماركس وفريدريك إنجلز عن عالم يتجه نحو تركز الثروة وتعاظم سلطة رأس المال، وعن نظام اقتصادي يميل إلى التوسع بلا حدود، محولا كل ما يلمسه إلى سلعة. ما بدا آنذاك تصورا نظريا حادا، يظهر اليوم حقيقة مختلة لمرحلة تاريخية تتجاوز الاقتصاد إلى الثقافة والسياسة وأنماط الحياة. فالرأسمالية تحولت من نظام إنتاج إلى بنية رمزية تعيد تشكيل الرغبات والخيال الاجتماعي، وإلى ثقافة كاملة تعيد تشكيل أنماط العيش والرغبات وأشكال الوعي وتعريف النجاح والفشل، ومعنى الذات نفسها.
غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن الطبقة التي عوّل عليها تاريخيا بوصفها حاملا للتغيير، لم تتبلور كما كان متخيلا، فقد تفككت الطبقة العاملة إلى وحدات صغيرة موزعة بين اقتصاد الخدمات والعمل الهش، وأصبح العامل فردا معزولا داخل سوق عالمي لا يرى حدوده ولا يفهم آلياته، فيما برزت كتلة بشرية ضخمة تعيش على هامش الإنتاج الحقيقي، وتنخرط في وظائف مؤقتة أو أعمال استهلاكية، وتفتقر إلى الوعي الطبقي المتماسك، لتتحول إلى أداة في منظومة الهيمنة.
هذه التحولات لم تكن عفوية، بل نتاج مسار طويل جرى فيه تحويل دول كاملة إلى اقتصادات خدماتية تعتمد على الاستيراد والتسويق والسياحة، مهملة وظيفة الإنتاج كأساس للاستقلال الاقتصادي والاجتماعي، فتحولت إلى فضاءات تبيع الوقت والمهارات الجزئية بدل بناء قدراتها الإنتاجية طويلة الأمد، فيما تتكدس القيمة الحقيقية في مراكز رأسمالية عابرة للقارات.
الأخطر أن الرأسمالية المعاصرة لم تكتف بإعادة تنظيم الاقتصاد، بل أعادت تشكيل الوعي ذاته؛ فالنزعة الاستهلاكية لم تعد خيارا فرديا أو نمط حياة، بل أصبحت معيارا للانتماء الاجتماعي، فباتت الهوية تقاس بما نقتنيه لا بما ننتجه، ليعيش الإنسان داخل منظومة تستنزفه، وهو يعتقد أنه يمارس أقصى درجات الحرية الفردية.
في المقابل، ينتشر ما يمكن تسميته بالوعي الشقي؛ وعي نقدي يفيض بالتحليل والتشكيك، لكنه يظل أسير العجز عن الفعل الجماعي. فالنقد النظري للرأسمالية يتسع، بينما تتراجع القدرة على بناء بدائل إنتاجية حقيقية، فيما تترسخ حالة إعادة تشكيل العالم على أساس الهيمنة الاقتصادية المتوحشة، وتتآكل قدرة الطبقات المنتجة على التبلور كقوة تاريخية قادرة على صياغة مشروعها الخاص.
التحدي الأكبر في السنوات المقبلة ليس مقاومة مظاهر الاستهلاك، فحسب، وإنما إعادة بناء أنماط إنتاج قادرة على خلق قيمة حقيقية داخل المجتمعات نفسها، فالصراع لم يعد بين رأس المال والعمل فقط، بل بين نمط حياة ينتج ونمط حياة يستهلك بلا نهاية.
السؤال الجوهري اليوم لم يعد من يملك وسائل الإنتاج؟، بل من يملك القدرة على تخيل نموذج إنتاج مختلف؟، وهل يمكن حقا للمجتمعات مقاومة العولمة التي فرضت وظائف محددة لكل مجتمع، وأن تبدأ بالخروج عن السرب وبناء منظوماتها الإنتاجية والقيمية بعيدا عن المركزية المهيمنة؟
السؤال لا يعني الانعزال أو رفض الشراكة مع العالم، وإنما يتعلق بإمكانية إعادة التوازن داخل النظام العالمي نفسه، فالعولمة شبكة علاقات اقتصادية وثقافية يمكن إعادة التفاوض حولها، وأثبتت تجارب متعددة أن الدول التي استطاعت الحفاظ على هامش من الاستقلال الإنتاجي لم تفعل ذلك عبر الانسحاب من السوق العالمي، وإنما بإعادة توجيه موقعها داخله.
المقاومة هنا تأتي من بناء قدرة ذاتية على الإنتاج والمعرفة، عبر إعادة الاعتبار لفكرة الإنتاج بوصفه فعلا ثقافيا لا مجرد عملية اقتصادية، وتحويل العمل المنتج لقيمة اجتماعية عليا بدل تقديس الاستهلاك، وبناء اقتصاد معرفة محلي قادر على توليد التكنولوجيا والمعرفة بدل الاكتفاء باستيرادها، وإعادة صياغة العقد الاجتماعي ليصبح المواطن شريكا في إنتاج القيمة لا مجرد مستهلك لها، ما يتطلب سياسات تعليمية وثقافية تعيد تعريف معنى النجاح خارج منطق السوق السريع.
العولمة قوة ضخمة، لكنها ليست قدرا مطلقا، فالتاريخ يبين أن الأنظمة الاقتصادية الكبرى تتغير عندما تتغير أنماط الإنتاج والوعي معا، لا عندما تتراكم الخطابات النقدية وحدها. حتى ذلك الحين، سنبقى نعيش في زمن الوعي الجماعي الزائف الذي تتأرجح فيه المجتمعات بين الإدراك الناقص والتمرد المؤجل الذي لا يستقيم إلا حين تستعيد قدرتها على إنتاج ذاتها، لا بوصفها رد فعل على المركز، بل بوصفها فاعلا قادرا على إعادة تعريف العالم.