منصور يكتب: أولويات رئيس الحكومة
نضال منصور
يهمس أكثر من وزير مخضرم، شارك في أكثر من حكومة مع رؤساء وزراء مختلفين، بأن إيقاع وآليات العمل الوزاري في هذه الحكومة مختلف جداً، وأن الرئيس يتابعهم عن كثب، ويُرهقهم بأسئلة الإنجاز، ويفرض عليهم أن يكونوا في الميدان، ليقرأوا النتائج بشكل فعلي وملموس، لا أن يعتمدوا على تقارير أحياناً لا تقترب من مؤشرات الواقع.
أمضى الدكتور جعفر حسان سنوات طويلة إلى جوار الملك، وأصبح يعرف تحديداً أن المطلوب إنجاز حقيقي يغيّر الواقع، ويلمس الناس أثره في حياتهم، وأن الشعارات والتنظير لا يجديان، ولا ينفعان، بل يراكمـان مزيداً من الإحباط.
حين تستمع إلى الرئيس حسان تدرك أن أول مهمة عكف عليها، وما يزال، هي بذل كل جهد ممكن لتغيير إرث العمل في المؤسسات العامة للدولة، فهو يسعى إلى تكريس ثقافة الإنجاز منذ وصوله سدة الرئاسة في الدوار الرابع، ويقدّم نفسه نموذجاً للالتزام والانضباط، حتى يتبعه الوزراء، وحتى آخر موظف في الحكومة.
الدائرة المحيطة برئيس الحكومة تُجاهر بأن أكثر ما يغضبه حالة الترهل، فلا يُعقل أن مسؤولاً في وظيفة عامة يحضر إلى العمل الساعة الحادية عشرة صباحاً، ويغادر الساعة الثالثة بعد الظهر، ويدير ظهره، ولا يكلّف نفسه عناء المبادرة للتصدي للتحديات، وبذل الجهد لإيجاد الحلول.
منذ اليوم الأول قرر الرئيس أن العمل الميداني ليس للاستعراض والتباهي، وإنما للاقتراب أكثر من الناس والمجتمع في أماكن تواجدهم؛ فالدولة الأردنية ليست عمّان وحدها، والوزراء يجب أن يكونوا على مقربة من المشكلات، يستمعون إلى صوت الناس دون حواجز، ويدققون في التقارير بالمعاينة المباشرة. فمن غير المنطقي أن نتحدث عن مدارس وبيئة طلابية، ولا نذهب لتفقّد حمّاماتها، ومختبراتها، وأدراجها، وهذا ينطبق على المراكز الصحية، والمستشفيات، وكل المرافق العامة.
هذه المهمة، إن أُنجزت كما يجب، فهي فرصة لمساءلة المقصّرين، والفاسدين إن وجدوا، وكذلك من أدمنوا تعطيل آليات العمل، وفي الوقت ذاته فرصة للثناء ومكافأة من يعملون بجد لخدمة الجمهور.
انعقاد مجلس الوزراء في المحافظات ليس تظاهرة للتصوير الإعلامي، بل تحضير تفصيلي لكل ما تحتاجه المحافظة، وما هو مرصود مالياً في الموازنة، والاستماع إلى الأولويات من أصحاب الشأن، ودراسة المقترحات المقدّمة، وهل من إمكانية لتكون على أجندة التنفيذ؟
فرئيس الحكومة يؤمن أن تحقيق النجاح مرتبط بخطط قابلة للتنفيذ، ومرتبطة بمؤشرات أداء واضحة، حتى يُبنى التقييم والمساءلة على أساسها.
يقول الرئيس إن المشكلة ليست دائماً مالية، ويعطي أمثلة بالموازنة العامة، حيث لم يُنفق في السنوات الماضية أكثر من 80 % من المخصصات المرصودة، وهذه مثلبة. وفي حكومته صُرف 97 % من الموازنة، وهذا يعني إنفاق ما يزيد على 160 مليون دينار خلال عام على مشاريع تحرّك عجلة الاقتصاد.
تعكف حكومة جعفر حسان على إعطاء أولوية لإنجاز المشاريع الكبرى، وبعد الاهتمام الواضح بقطاعي التعليم والصحة، والشراكة مع القطاع الخاص لتحقيق نهج تشاركي يكرّس موارد المسؤولية المجتمعية للنهوض، وتحقيق نقلة نوعية في التعليم والصحة، تتجه بوصلة الأولويات الوطنية إلى مشروع الناقل الوطني للمياه، والالتفات إلى مشاريع سكك الحديد، ومشروع مدينة عمرة بما تتضمنه من مدينة رياضية، وتعليمية، وترفيهية، ومنطقة سكنية نموذجية، وكل هذا يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وتحسين واقع الخدمات في الأردن.
الاقتصاد أولوية في أجندة الحكومة، والرئيس يرى أن تحقيق ذلك لا يمكن دون إصلاح إداري، فميكانيزمات عمل الإدارة الحالية لا يمكن أن تحقق الأهداف المأمولة. وهناك تحديات تتعلق بضعف الكفاءة، والبطالة المقنّعة، وضعف معايير الرقابة والمتابعة، ولهذا فإن تطوير الإدارة مهمة لا يمكن تأجيلها، حتى لو تطلّب الأمر إجراءات قاسية ومثيرة للجدل، وقد لا تعجب من ظلّوا لسنوات في حالة استرخاء وظيفي
في القطاع العام.
في إقليم مشتعل، يصبح الإصلاح والتحديث السياسي ليسا ترفاً، بل فعلاً أصيلاً لزيادة منعة الدولة، ويقرأ رئيس الوزراء هذه المعادلة بدقة، ويدرك أنه لا يملك عصاً سحرية لإحداث نقلة نوعية في العمل السياسي والحزبي، لكن التجربة تنضج إن مُكّنت من التحرك باستقلالية، وامتلكت هوامش معقولة من الحرية، والقدرة على النقد والمساءلة.
وفي هذا السياق يؤكد الرئيس أن هناك رغبة حقيقية لدى الحكومة في استمرار وتطوّر الأحزاب السياسية، وفي مقدمتها جبهة العمل الإسلامي، وينقل عنه حثّ حزب جبهة العمل الإسلامي على تصويب أوضاعه بأسرع وقت ممكن، للحد من الضغوط الإقليمية والدولية، وهذا يتطلب انسلاخاً كاملاً عن جماعة الإخوان المسلمين.
ما بين معادلة الداخل والخارج، يحاول رئيس الحكومة اجتراح سياسات وممارسات تمكّن الأردن من النجاة، والتقدم لعبور الأخطار، وهو يدرك أن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأن كل الأدبيات التي سادت في العلاقات الدولية سقطت في عهد الرئيس الأميركي ترامب.
في زمن صعب جداً، يتحرّك الدكتور جعفر حسان لترسيخ صورة جديدة لأداء رئيس الوزراء؛ لا ينشغل كثيراً بالمناكفات، والمنازعات، والحروب الوهمية، ولا بصناعة الخصوم، والوقت يمضي لصالحه، والمطلوب منه الآن الإنجاز والصمود، لتتجاوز البلاد المرحلة الصعبة.