العثامنة يكتب: الدولة التي لا تروي قصتها
مالك العثامنة
في الأردن، لا أحد يستطيع إنكار أن هناك عملا يجري كل يوم، مشاريع مياه، تدريب مهني، توسعات صناعية صغيرة، وقرارات اقتصادية صعبة تحاول دولة مثل الأردن، محدودة الموارد أن تمر بها بأقل خسائر ممكنة، لكن، وفي الوقت نفسه، فإن هناك مسافة تكبر بين الدولة والناس، وهي مسافة ليست كلها اقتصادا ولا سياسة، بل جزء كبير منها رواية غائبة، أو رواية متأخرة، أو رواية خجولة تخاف من نفسها.
الدولة الأردنية، تاريخيا، كانت تفعل أكثر مما تتكلم، وهذا كان ممكنا في زمن كان فيه الإعلام محدودا، وكانت الرواية الرسمية تصل أو لا ينافسها أحد، أما اليوم، وفي زمن الهاتف الذي في يد كل مواطن وبحجم راحة تلك اليد، وزمن الفيديو المقتطع من سياقه بدهاء ومنهجية مدروسة، فإن الصمت لم يعد حكمة، بل فراغا، والفراغ لا يبقى فراغا.
إن الدولة حين تغيب عن شرح نفسها، فإن المواطن لن يبقى محايدا، بل سيبحث عن تفسير، وهنا يدخل لاعبون يعرفون جيدا كيفية العمل في المساحات الرمادية والساحات الخلفية التي تتحول إلى مساحات مواجهة، ويبرز طبعا تيار الإسلام السياسي العابر للحدود، والذي بنى خلال عقود ماكينة رواية جاهزة، خطاباته بسيطة وخبيثة، ولكن بشبكات رقمية نافذة وفاعلة، ومسلح بقدرة على استثمار كل خطأ حكومي مهما كان صغيرا، فيتحول التأخير إلى خيانة، والارتباك إلى مؤامرة.
المشكلة ليست في وجود هذا التيار، فالمجتمعات كلها فيها تيارات متعددة، المشكلة أن الدولة لا تزال تتعامل بمنطق رد الفعل، تنتظر الإشاعة ثم تنفي، تنتظر الغضب ثم تمارس سياسة التهدئة والاسترضاء، وكأن الصراع على وعي الناس يمكن تأجيله، وكأن تلك الثقة– وهي ثمينة جدا- تُستعاد بالصمت.
في العامين الأخيرين، رأينا مشاريع حقيقية تدخل ضمن رؤية التحديث الاقتصادي، من مشاريع المياه إلى التدريب المهني الأردني، إلى ثورة هادئة في منظومة التعليم ومعالجات حقيقية للقطاع الصحي، وهذه مشاريع لها معنى اقتصادي واجتماعي حقيقي، لكنها- للأسف- بقيت أرقاما في بيانات رسمية باردة، بينما يمكن أن تتحول إشاعة واحدة إلى حقيقة كاملة في ذهن الناس، وتربك الجميع.
الناس لا تعيش بالجداول، الناس تعيش بالمعنى، والناس تريد أن تفهم لماذا يرتفع السعر اليوم، وماذا يحمل لهم غدا، ولماذا تأخر مشروع ما، ولماذا فشل آخر، وهي تريد أن تسمع من الدولة قبل أن تسمع عنها، تريد أن ترى المسؤول يشرح لا يختفي.
الدولة، أحيانا وبصراحة، تخاف من المواجهة، فتختار الصمت أو البيان البارد، وهذا الصمت، في زمن السرعة، يُقرأ كارتباك أو ضعف، فيملأ الفراغ من يملك الرواية مهما كانت مضللة لا من يملك الحقيقة.
المعركة اليوم ليست فقط على الاقتصاد ولا على السياسة، بل على الثقة، والثقة لا تُبنى بالأمن وحده ولا بالقانون وحده، بل بالشرح والصدق والقدرة على مخاطبة الناس بلغتهم.
في الأردن، هناك إنجازات حقيقية، وهناك تساؤلات مشروعة أيضا، وهذا طبيعي في بلد يعيش على حافة الإقليم، لكن الخطير أن تبقى الإنجازات بلا قصة، والأسئلة بلا جواب، فيتقدم من يملك خطابا جاهزا مليئا بالتضليل، لا من يملك رؤية.
الدولة التي لا تروي قصتها، يرويها غيرها.