القهيوي يكتب: من يخاف القرار؟

 

ليث القهيوي


لم يعد السؤال في مؤسساتنا الأردنية كيف نُحسّن الأداء؟ بل من يجرؤ على أن يقرّر؟ فالقرار ليس مجرد خطوة إدارية تتنقل بين المكاتب، ولا توقيعًا يُستكمل ضمن دورة موافقات طويلة؛ القرار هو لحظة تحمّل مسؤولية. وحين تتحول هذه اللحظة إلى عبء شخصي بدل أن تكون وظيفة مؤسسية محمية بقواعد واضحة، يبدأ الخوف بالتسلل إلى قلب الإدارة لا بوصفه شعورًا فرديًا، بل كنمط تشغيل ينعكس على الخدمة العامة والاقتصاد وثقة الناس.
 

في السنوات الأخيرة، بدا أن الدولة تقترب من تعريف المشكلة بصورة أكثر صراحة. خريطة تحديث القطاع العام لم تأتِ بوصفها حملة علاقات عامة، بل كاعتراف بأن الإصلاح الحقيقي لا يكتمل بتعديل الهياكل وحدها، وإنما بتغيير طريقة اشتغال المنظومة: كيف تُوزّع الصلاحيات، كيف تُقاس النتائج، وكيف تُدار المساءلة دون أن تتحول إلى شلل. وفي الاتجاه ذاته، جاءت استراتيجية التحول الرقمي وخطتها التنفيذية لتؤكد أن الرقمنة ليست نقل النماذج الورقية إلى شاشة، بل بناء ثقة رقمية، وتحديث تشريعات، وتوحيد بيانات، وإعادة تصميم خدمات. ومع ذلك، يبقى السؤال الأكثر حساسية خارج الوثائق: هل نمتلك البيئة التي تجعل القرار مسؤولية مؤسسية لا مخاطرة فردية؟
الواقع يقول إن القرار في كثير من مواقع العمل العام يدفع ثمنًا أعلى من اللازم. حين لا تكون الحدود العملية واضحة بين الخطأ المهني والفساد، وبين الاجتهاد وسوء النية، يصبح القرار مخاطرة غير متكافئة: مكافأته محدودة، وكلفته مفتوحة. عندها تتشكل آليات دفاعية مألوفة: تأجيل بدل حسم، تشاور بلا نهاية بدل اختيار، ولجان بدل مسؤولية. لا يُلغى القرار رسميًا، لكنه يُفرَّغ من جوهره؛ يتحول إلى ملف يتحرك، لا نتيجة تتحقق. وتصبح الإجراءات وسيلة حماية، لا أداة جودة. من الخارج تبدو المؤسسة “منضبطة”، ومن الداخل هي بطيئة، حذرة، ومتحفظة إلى حد الشلل.
الأخطر أن هذا النمط لا يقتل السرعة فقط، بل يقتل التعلم. فالمؤسسة التي تعاقب الخطأ كأنه نهاية المسار ستنتج موظفين يتقنون تجنب المخاطر لا صنع الأثر. ومع الوقت تتدهور العلاقة بين الإدارة والمواطن: المواطن لا يرى خلفيات القرار ولا تعقيداته، لكنه يلمس التأخير والازدواجية وتضارب الأجوبة. وهنا تفقد الإدارة أهم رأسمال لديها: الثقة. فالناس لا تطلب الكمال، لكنها تطلب وضوحًا واتساقًا ومسؤولية يمكن تتبعها.
في هذا السياق، كثيرًا ما يُطرح التفويض كحل. لكن التفويض الحقيقي ليس نقل التوقيع، بل نقل الصلاحية مع الحماية. التفويض الذي يترك القيادات الوسطى تتخذ قرارًا دون مظلة، ودون معايير معلنة، ودون دعم مؤسسي إذا كان الاجتهاد مشروعًا، ليس تفويضًا؛ إنه نقل مخاطر. وعندما يُطلب من المدير أن يقرر، ثم يُترك وحده أمام أي ارتدادات محتملة، يصبح المنطقي أن يبحث عن أكبر قدر من “التغطية” الإجرائية، وأن يوزّع المسؤولية على أكبر عدد من الأطراف، وأن يختار السلامة الشكلية بدل الأثر الحقيقي.
التحول الرقمي هو المثال الأوضح على هذا الاختبار. يمكن لأي مؤسسة أن تطلق منصة أو خدمة إلكترونية وتعلن نجاحًا سريعًا، لكن الجرأة تبدأ حين تقرر المؤسسة إعادة هندسة الإجراء نفسه: حذف خطوة تاريخية، دمج موافقات، إعادة توزيع صلاحيات، أو نقل القرار إلى نقطة أقرب للمواطن. هنا تظهر المشكلة: التقنية تتيح ذلك، لكن الخوف يمنع. وإذا بقي الخوف هو منطق العمل، فستتحول الرقمنة إلى طبقة إضافية فوق إجراء قديم، تُسرّع نقل الورق ولا تُسرّع القرار، وتضيف واجهة جديدة دون أن تمس جوهر التغيير.
يمتلك الأردن اليوم فرصة نادرة، لأن عناصر الإصلاح باتت متقاربة: تحديث إداري يؤسس للإدارة بالنتائج، وتحول رقمي يقدم أدوات التنفيذ، ومنظومة نزاهة تؤطر الثقة القانونية لبناء ثقة عامة. لكن هذه الفرصة لن تُترجم إلى أثر ملموس ما لم تُحسم معادلة واحدة: كيف نجعل المساءلة عادلة وواضحة، وفي الوقت نفسه نجعل الاجتهاد مشروعًا ومحميًا؟ فالمساءلة التي تتحول إلى تهديد دائم تقتل القرار، والنزاهة التي تُفهم كفخ لا كمنظومة حماية تُنتج خوفًا مؤسسيًا لا نزاهة.
ما يحتاجه الأردن اليوم ليس خطابًا إضافيًا عن الإصلاح، بل بيئة قرار تُعرف المخاطر بوضوح وتحمي الاجتهاد بعدل، وهندسة دقيقة تعيد تنظيم العلاقة بين الصلاحية والمساءلة. تعريفات واضحة تميز الخطأ المهني عن الفساد، معايير مكتوبة لاتخاذ القرار، مسارات تظلم وتقييم عادلة، وتفويض مرتبط بصلاحيات فعلية لا بصور شكلية. والأهم من ذلك: ثقافة مكافأة للأثر لا للامتثال. حين يعلم الموظف أن المؤسسة ستراجعه بعدل، وستحمي اجتهاده إذا كان مبنيًا على سبب منطقي ومعلومة متاحة، سيتغير سلوك الإدارة تلقائيًا: تقل اللجان، تتقاصر الدورات، وتصبح الوثيقة خادمة للقرار لا بديلًا عنه.
في النهاية، لا تخاف المؤسسات من القرار لأنه صعب، بل لأنه يكشف بنيتها الحقيقية. القرار يفضح ثقافة المكافأة والعقاب، يختبر حدود الثقة، ويعيد تعريف السلطة. فإذا كانت المنظومة تكافئ الامتثال أكثر مما تكافئ الأثر، سيبقى القرار حذرًا، مترددًا، ومؤجلًا. أما حين تُعاد صياغة البيئة بحيث يُحمى الاجتهاد، ويُفصل الخطأ المهني عن الفساد، وتُدار المخاطر كمسؤولية مؤسسية لا كعبء فردي، عندها فقط يصبح القرار أداة قيمة لا مصدر تهديد. والإصلاح الحقيقي يبدأ من هناك: من لحظة تُمنح فيها الثقة لمن يملك شجاعة القرار، وتُبنى حوله منظومة تحميه وتحاسبه بعدل.