السعدي يكتب: من الصمود إلى البناء
يوسف السعدي
شهد العراق خلال السنوات الماضية تحديات وجودية هددت الدولة ووحدتها الوطنية، غير أن تماسك المجتمع وصمود مؤسساته مكّناه من تجاوز أخطر مراحل المواجهة مع الإرهاب، ولا سيما خلال الحرب ضد تنظيم داعش، واليوم، وبعد تثبيت الأمن واستعادة الاستقرار النسبي، تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء دولة مستقرة ذات اقتصاد متنوع ومؤسسات فاعلة.
إن المرحلة المقبلة تتطلب برنامجاً وطنياً يستند إلى الواقعية والتخطيط الاستراتيجي، ويعالج جذور الاختلالات السياسية والاقتصادية، ويؤسس لمسار تنموي مستدام، وفي هذا السياق، يقوم مشروعنا الإصلاحي على أربعة مرتكزات أساسية:
أولاً: ترسيخ الاستقرار السياسي
يشكل الاستقرار السياسي شرطاً ضرورياً لأي عملية إصلاح اقتصادي أو اجتماعي، فلا يمكن جذب الاستثمارات أو تنفيذ خطط تنموية بعيدة المدى في ظل توترات سياسية مستمرة أو تعطّل مؤسسات الدولة، وعليه، فإن تعزيز التوافقات الوطنية، وضمان انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الفئوية، تمثل أولويات المرحلة المقبلة.
ثانياً: إصلاح مالي واقتصادي شامل
تؤكد تقارير World Bank أن الاقتصاد العراقي يعتمد بدرجة كبيرة على العوائد النفطية التي تشكل أكثر من 90% من إيرادات الموازنة في بعض السنوات، وهو ما يجعله عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، إن استمرار هذا النمط الاقتصادي يحدّ من فرص النمو المستدام ويضعف قدرة الدولة على مواجهة الأزمات.
من هنا، تبرز ضرورة تبني سياسة تنويع مصادر الدخل من خلال دعم القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والخدمات، إضافة إلى تحفيز القطاع الخاص عبر تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين بيئة الاستثمار.
كما تشير تقديرات United Nations إلى ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب في العراق، وهو ما يستدعي برامج تشغيل حقيقية ترتكز على اقتصاد منتج، وليس على التوسع في التوظيف الحكومي فحسب.
وفي موازاة ذلك، يمثل تعزيز الشفافية المالية ومكافحة الفساد الإداري والمالي جزءاً أساسياً من أي إصلاح اقتصادي فعّال، عبر تطوير أنظمة رقابية حديثة واعتماد أدوات رقمية في إدارة الإنفاق العام.
ثالثاً: تطوير البنى التحتية
لا يمكن تحقيق نمو اقتصادي مستدام دون بنية تحتية كفوءة، وتشير تقارير UNDP إلى أن إعادة إعمار المناطق المتضررة من العمليات العسكرية تتطلب استثمارات كبيرة لإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمرافق العامة.
وعليه، فإن تطوير قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات وإدارة الموارد المائية يمثل أولوية وطنية، لما له من أثر مباشر في تحسين جودة الحياة للمواطنين وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو.
رابعاً: سياسة خارجية متوازنة
إن تعزيز مكانة العراق الإقليمية والدولية يستلزم دبلوماسية فاعلة تقوم على مبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم الانخراط في محاور متصارعة، فالعراق قادر، بحكم موقعه وتاريخه، على أن يكون جسراً للحوار والاستقرار في المنطقة، شريطة أن تُبنى علاقاته الخارجية على أساس المصالح الوطنية العليا والتوازن في الشراكات.
نحو مرحلة جديدة
إن الانتقال من مرحلة الصمود إلى مرحلة البناء يتطلب إرادة سياسية واضحة، وتعاوناً مجتمعياً واسعاً، وإدارة مهنية تعتمد التخطيط طويل الأمد بدلاً من الحلول المؤقتة، إن التجربة التي مرّ بها العراق خلال السنوات الماضية أكدت قدرة الدولة والمجتمع على تجاوز الأزمات، وهي القدرة ذاتها التي يمكن أن تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
إن مسؤولية المرحلة المقبلة تقتضي العمل الجاد لترسيخ دولة المؤسسات، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز السيادة، بما يحقق تطلعات المواطنين في الأمن والعدالة والازدهار.