الدعجة يكتب: الحرب الصامتة في الضفة الغربية
حسن الدعجة
من السردية التاريخية إلى إعادة هندسة الواقع؛ ففي الأدبيات التوراتية يَرِد اسما "يهوذا" و"السامرة" للدلالة على مملكتين نشأتا بعد انقسام المملكة الموحدة عقب سليمان. كانت يهوذا مملكة الجنوب وعاصمتها القدس، واستمرت حتى سقوطها عام 586 ق.م على يد البابليين، فيما شكّلت السامرة عاصمة مملكة الشمال التي سقطت عام 722 ق.م أمام الآشوريين. تُقدم يهوذا في النصوص بوصفها المركز الديني لوجود الهيكل في القدس، مقابل السامرة كعاصمة سياسية للشمال. غير أن هذين الاسمين لم يعودا مجرد إحالة تاريخية، بل تحوّلا في الخطاب السياسي المعاصر إلى توصيف للضفة الغربية، في سياق مشروع يعيد تعريف المكان والهوية والسيادة.
اليوم، لا تدور المواجهة في الضفة الغربية على إيقاع الاشتباكات فقط، بل على مستوى أعمق يتصل بالقانون والإدارة والملكية. أخطر تجليات المرحلة الراهنة يتمثل في المساعي لإلغاء العمل بقانون الأراضي الأردني المعمول به في الضفة منذ عام 1967، واستبداله بتشريعات إسرائيلية تُخضع الأرض والسكان للمنظومة القانونية للاحتلال. هذا التحول لا يقتصر على تعديل تقني، بل يعني نقل المرجعية القانونية من نظام قائم قبل الاحتلال إلى نظام تفرضه قوة محتلة، في مخالفة لقواعد القانون الدولي التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال تغيير البنية القانونية والإدارية للأراضي المحتلة أو نقل سكانها المدنيين إليها. إن استبدال الإطار القانوني القائم يمهّد لضم فعلي وتكريس واقع دائم، ويقوّض الأساس الذي يقوم عليه حل الدولتين، ويدفع باتجاه إلغاء إمكان قيام دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة.
الأرقام على الأرض تعكس مسارًا متسارعًا. حتى مطلع 2026، يبلغ عدد المستوطنات الرسمية في الضفة الغربية نحو 210 مستوطنة، إلى جانب ما بين 250 و260 بؤرة استيطانية غير رسمية، وأكثر من 350 بؤرة رعوية وزراعية. ويُقدَّر عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية بنحو 750 ألف مستوطن. هذه ليست مجرد مؤشرات نمو سكاني، بل شبكة تمدد جغرافي مدعومة بالبنية التحتية والطرق والحماية العسكرية، تُعيد رسم الخريطة فعليًا.
ومنذ 7 أكتوبر 2023، دخلت الضفة مرحلة تصعيد غير مسبوقة. فقد نزح نحو 40 ألف فلسطيني من مناطق مختلفة، بينهم أكثر من 17 ألف طفل، خاصة في جنين وطولكرم ومخيم نور شمس. وارتفع عدد الشهداء إلى ما يزيد على 1,150 فلسطينيًا، بينهم نحو 260 طفلًا، فيما تجاوز عدد الجرحى 13 ألفًا، وبلغ عدد المعتقلين أكثر من 22 ألف مواطن خلال الفترة ذاتها. هذه الأرقام تعكس ضغطًا إنسانيًا وأمنيًا مركبًا، يطال البنية المجتمعية والاقتصادية في آن واحد.
في المقابل، تسارعت وتيرة التخطيط الاستيطاني بصورة لافتة؛ إذ جرى دراسة أكثر من 380 مخططًا هيكليًا لبناء ما يزيد على 40 ألف وحدة استيطانية على مساحة تقارب 40 ألف دونم، مع المصادقة على أكثر من 20 ألف وحدة منها. وعلى الأرض، بلغ عدد الحواجز الدائمة والمؤقتة نحو 950 حاجزًا، بينها أكثر من 260 بوابة حديدية نُصبت بعد أكتوبر 2023، ما يعمّق تقطيع أوصال المدن والبلدات، ويُقيّد الحركة ويؤثر في الاقتصاد والتعليم والرعاية الصحية.
أحداث بلدة حوارة في فبراير 2023 شكّلت نموذجا مكثفا لطبيعة هذه الحرب الصامتة. فقد أُحرقت أو دُمّرت نحو 276 مركبة، إضافة إلى إحراق محال ومنشآت صناعية وتجارية. قُدّرت خسائر بعض المصالح بنحو 1.077 مليون دينار أردني، فيما بلغت خسارة أحد مواقف السيارات 129 ألف دينار، إلى جانب خسائر بمئات الآلاف نتيجة توقف الحركة التجارية. كما أُغلق نحو 350 محلًا تجاريًا لمدة خمسة أيام متتالية، ما يعني فقدان دخل كامل خلال الإغلاق مع استمرار التكاليف التشغيلية. إنها ضربة للاقتصاد المحلي تُضاف إلى سلسلة من القيود البنيوية.
ولا يقتصر الاستهداف على المراكز الحضرية؛ فالقطاع الزراعي يتعرض لاستنزاف طويل الأمد. تشير التقديرات التراكمية إلى اقتلاع أو إحراق أكثر من 800 ألف شجرة زيتون منذ عام 1967. وخلال العقدين الأخيرين، تتراوح التقديرات بين 1 و1.5 مليون شجرة دُمّرت في فترات تصعيد مختلفة، بينها ما لا يقل عن 300 ألف شجرة في الضفة وغزة خلال سنوات متفرقة، معظمها من الزيتون. في مجتمع يشكل فيه الزيتون ركيزة اقتصادية ورمزًا ثقافيًا، يصبح استهداف الشجرة مساسًا بالهوية والذاكرة بقدر ما هو خسارة مالية.
تتكامل هذه الوقائع لتشكّل ملامح حرب لا تُعلن رسميًا، لكنها تُدار بصمت عبر الأرقام والمخططات والتشريعات والحواجز المنتشرة على امتداد الجغرافيا الفلسطينية. إنها ليست مواجهة عسكرية تقليدية فحسب، بل عملية إعادة تشكيل منهجية للواقع القانوني والجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية. فكل مخطط استيطاني جديد، وكل بؤرة تُقام، وكل تعديل قانوني يُقرّ، يشكل لبنة إضافية في بناء واقع مختلف يُفرض تدريجيًا على الأرض.
هذا المسار لا يغيّر شكل الخريطة فقط، بل يعيد تعريف العلاقة بين الأرض وسكانها، وبين القانون والسيادة. ومع استدعاء أسماء تاريخية تعود إلى قرون سحيقة لتبرير تحولات معاصرة، تتداخل السردية الدينية مع السياسات الميدانية لتمنح المشروع بُعدًا رمزيًا يتجاوز اللحظة الراهنة. وبهذا المعنى، لا تقتصر "الحرب الصامتة" على السيطرة المكانية، بل تمتد إلى إعادة صياغة المفاهيم ذاتها: من هو صاحب الأرض، ومن يملك حق التشريع، وأين تبدأ الحدود وأين تنتهي. إنها عملية تثبيت واقع دائم يقوّض أفق التسوية السياسية ويجعل إمكانية العودة إلى مسار حل الدولتين أكثر تعقيدًا يومًا بعد يوم.