العايدي يكتب: السياسة الشرعية (3): دار إسلام أم دولة وطنية؟.. قراءة فقهية معاصرة
د.محمد صبحي العايدي
حين قسم الفقهاء البلاد إلى دار إسلام ودار كفر، لم يكونوا يؤسسون لعقيدة سياسية يصنف على ضوئها الناس، ولم يكونوا يصدرون حكماً عقدياً على الأرض أو السكان، ولا تفويضاً مفتوحاً بالقتال، وإنما كان أداة فقهية لضبط أحكام معينة: أحكام الأمان والخوف، أحكام الهجرة والإقامة، وأحكام الدفاع والعدوان، فنظموا الأحكام على ضوء هذا التقسيم، وميزوا بين المناطق التي يمكن للمسلم القيام فيها بأداء عباداته بحرية أو لا؟ وعلى ضوئها يحكم الفقهاء بجواز الإقامة فيها، وهل هي بلاد أمان أم لا؟ أي مقياس للسيادة والأمان، لا لإيمان السكان ولا لدرجة تدينهم، ولم يقل أحد من الفقهاء أن البلاد يترفع عنها وصف «دار إسلام»، لمجرد انتشار المعاصي، أو لترك بعض أحكام الشريعة، أو لفسادة المجتمع، ما دامت لهم فيها السيادة.
أما مصطلح «الدولة الإسلامية» فلم نجده في التاريخ الإسلامي، كهوية دستورية مغلقة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يسم بهذه التسمية، ولا الدول المتعاقبة بعد ذلك من الأموية إلى العثمانية، وإنما كان التصنيف على الأساس الديني موجوداً أصلاً، وكل دولة تعرّف سيادتها بهويتها الدينية، كدولة الروم والفرس وغيرهم، في هذا السياق نشأ التقسيم الفقهي، فلم يكن اختراعاً إسلامياً خالصاً، بل كان تعاملاً فقهياً مع نظام دولي يقوم على الثنائية العقدية، لكن الفقهاء- بدقة منهجية- لم يقولوا: «دولة إسلام»، بل قالوا:» دار إسلام»، لأن وصف الدار ألصق بالمعنى المدني الاجتماعي، بخلاف دولة التي مدلولها سلطوي سياسي، ولما وصفوا دولهم سياسياً قالوا: خلافة، وسلطنة، وإمارة، ومملكة، وهكذا، ولم يقولوا الدولة الإسلامية.
وقد شاع تعبير «الدولة الإسلامية» في العصر الحديث في القرنين التاسع عشر والعشرين، حيث استغل هذا التقسيم الفقهي بشكل رسمي من قبل الحركات والأفكار المتطرفة، وهو تعبير يعكس خطاباً أيديولوجياً، أكثر مما يعكس اصطلاحاً تاريخياً تقليدياً، من أجل تكفير المجتمعات، ووصفها بالجاهلية، وإقصاء المختلفين دينياً وفكرياً فيها، ومن ثم إشعال الفتن، واستباحة الدماء، بل وشغلوا الشباب بهذه التقسيمات لا فقهاً ولا ورعاً، بل فراراً من إصلاح الواقع، وترسيخاً للحقد المقدس، والخصومة باسم الدين، بدل أن يشغلوهم بتزكية أنفسهم وتنقية قلوبهم، وسلامة صدورهم على الخلق كافة.
ومن هنا فقد حصل خلل في العصر الحديث في تصور بعض المفاهيم الدينية خاصة فيما يتعلق بالشأن العام ونظام الحكم، وهذا الخلل ليس ناشئاً من التراث نفسه، بل من تحول الوصف الفقهي المؤقت إلى مشروع سياسي ملزم، الفقهاء وصفوا واقعاً كان سائداً في حقبة زمنية معينة بـ»دار الإسلام»، كتنظيم فقهي، ثم انتهى، وهنا تحول التصنيف الفقهي لمفهوم «دار الإسلام»، من وصف فقهي مؤقت، إلى وصف عقدي وتصنيف دائم، ومعيار يجب أن يحاكم به المجتمع، وأصبحت المصطلحات الفقهية وسيلة إقصاء، بينما السياسة الشرعية في جوهرها لتحقيق المقاصد الكلية والمصالح العامة، فمثلاً كان الفقهاء يحرمون السفر بالمصحف إلى دار الكفر خشية امتهانه، فأين هي اليوم تلك الدار التي يحرم إيصال القرآن إليها، في زمن تترجم فيه المصاحف وتنشر في كل قارات العالم؟ وكذلك يستطيع المسلم أن يؤدي عباداته في أغلب دول العالم بكل حرية، وهكذا تجد أن الأحكام التي ذكرها الفقهاء للتقسيم السابق، لم يبق لها مصداق تتحقق فيه علته، ولهذا لم يصح إبقاء هذا التقسيم بوصفه حكماً عاماً وحاكماً على واقعنا المختلف اليوم.
أما الدول الحديثة اليوم فهي قائمة على مفهوم المواطنة، لا على التصنيف الديني لها، وهي إطار قانوني يضمن الحقوق ويحفظ النظام، ليس في الشريعة ما يأبى هذا الشكل، من حيث هو تنظيم سياسي يحقق مقاصد العدل ويحفظ الدين وكرامة الإنسان، ولذلك المطلوب اليوم إعادة بناء التصور الفقهي فيما يتعلق بمناهج كليات الشريعة والمؤسسات الدينية على ضوء علل الأحكام ومقاصدها، بما يستوعب تحول شكل الدولة الحديث، وهذا لا يكون بفهم الفقه كقوالب جاهزة، وإنما بناء تصورات جديدة تناسب الواقع الجديد، حتى يبقى الفقه حياً، متصلاً بالواقع، أميناً لأصوله، وقادراً على الإسهام في بناء الحاضر لا محاكمته بمفاهيم زمن مضى، حتى لا يتحول الدين من مشروع إصلاح تدريجي إلى معيار إقصاء حاد.
*باحث في الفكر الإسلامي