أبو زينة يكتب: في علاقات القوة..!
علاء الدين أبو زينة
تخيّل شركةً كبرى لها مالِك حقيقي يعمل من مكتبه البعيد. إنه المستثمر الذي يملك رأس مال قوامه القوة والاحتكار. وهو يحدد الاستراتيجيات الكبرى في السر والعلن، ويهمّه قبل كل شيء تعظيم الأرباح، وضمان تدفّق العوائد، واستقرار بيئة الاستثمار. وهو لا يتعامل مباشرةً مع الموظفين في معظم الأحيان. ثمة بينه وبينهم مديرٌ تنفيذيّ يتولّى تطبيق السياسات، وضبط الإيقاع اليومي، ومخاطبة العاملين بلغةٍ تبدو محليّة وأقرب إليهم. في هذه الشركة يكون المدير هو الوجه المرئيّ للسلطة؛ والمالك ظلّها البعيد، الذي لا يُسأل كثيرًا، ولا يظهر في مقدمة الصورة إلى قليلًا –ولو أنه صاحب القرار النهائي.
في هذه الشركة، لا يعتمد المدير التنفيذيّ على التلويح بالعقاب فحسب. إنه يصوغ سرديةً كاملة عن «ضرورة» الانضباط. يقول للعاملين أنّ السوق قاسٍ، وأن المنافسة شرسة، وأن أيّ اضطراب سيؤدّي إلى خسائر قد تفضي إلى إغلاق الأقسام وتسريح العاملين وقطع أرزاقهم. أن الرواتب، والتأمينات، والاستقرار الوظيفي -كلّها مشروطة بالالتزام الصارم غير المتسائِل بتوجيهات الإدارة. وهكذا تتشكّل المعادلة: الطاعة مقابل الأمان؛ والصمت مقابل الاستمرارية.
بمرور الوقت، تتحوّل هذه المعادلة إلى وعيٍ باطني. يتراجع في العاملين الشعور بالإكراه ويتقدَّم شعور بالعقلانية. سوف يستبطنون لغة الإدارة عن «الواقعية» و»الحكمة» حتى بينما يتذمّرون منها في السرّ. سوف يعاد تعريف الاعتراض ليرادف التهوّر؛ والمطالبة بالحقوق لتكافئ تهديد مصالح الجميع؛ والخضوع ليعني التعقُّل، والتبعية لتعني الفضيلة العملية.
لكنّ موظفًا واحدًا يقرّر كسر هذه الحلقة. يرفض التوقيع على قراراتٍ يراها مجحفة. يعترض على سياساتٍ تُثقل كاهل العاملين لجلب أرباحٍ لا يرون منها شيئًا، ويذكّر زملاءه بأنّ الاستقرار لا ينبغي أن يُبنى حتمًا على الإذعان الدائم. والمدير التنفيذيّ يعنّفه، يعاقبه، يُهمّشه، وربما يلوّح بفصله. لكن الزملاء، بدلًا من أن يروا فيه تعبيرًا عن ضيقهم الحبيس، ينظرون إليه كتهديدٍ شخصي، ربما يتمنون تسريحه، أو يتآمرون عليه، أو يتملقون الإدارة بذمه –أو يشاركون عند أحد المستويات في إقصائه. على أحد المستويات، تضعهم شجاعته أمام مرآة تُظهر جُبنهم وتردّدهم. وللتحايل على الانكشاف المؤلم، يتلهون عن محاسبة ضعفهم بالإبداع في ذم الزميل: متهوّر، غير مسؤول، مشاكس، مشاغب يعرّض «استقرارهم» –بل وجود الشركة بأكملها للخطر. وفي أفضل الأحوال، سيحاولون إسكاته «من أجل مصلحته ولقمة عيشه».
ثمة في هذا المجاز –المألوف كثيرًا- محاكاة لبنية شائعة للسلطة. ثمة المهيمن الخارجي، صاحب عمل السياسة في الأقاليم المستهدفة بالنهب والتربح والإخضاع: القوة الدولية التي تضع الإطار العام، وتحدّد خطوط اللعبة الكبرى، وتملك أدوات العقاب والمكافأة. وثمة المدير التنفيذيّ: النظام المحليّ الذي ينفّذ، ويكيّف، ويرتب اليوميات، ويقدّم السياسات الكبرى المفروضة في صورة قراراتٍ سيادية من لدنه. وبين الاثنين علاقة المصالح: الحماية والدعم مقابل تسويق استراتيجيات المستثمر الكبير.
ثمة كلمة «الاستقرار» دائمة الحضور، في المقدمة والمتن والخاتمة. المهيمن الخارجي يريد منطقةً هامدة، قابلة للتنبؤ؛ آمنةً لاستثماراته ويتحكم بممراتها الحيوية. والمدير المحليّ يريد شرعيةً ودعمًا يضمنان له موقع وامتيازات الوظيفة. وبذلك يكون «الاستقرار» هو الخير الأعلى؛ الشرط السابق للنموّ، والأمن، والقبول الدولي. وفي حقيقته، يعني الاستقرار في الجيوسياسة، مثلما هو في الشركة، تثبيت نظامٍ غير متكافئ قوامه نخبٌ راسخة لا تقيم وزنًا لرغبة المجموع، واقتصادٌ موجّه يخدم تحالف المدير القريب والمستثمر البعيد.
في أي سياق، تكون الثورة/ المقاومة نقيضًا للاستقرار/ السكون وتهديدًا له. إنها محرك التكوينات المستقرة: «موظف الشركة» الذي يرفض ثبات المعادلة غير المستوية. ولأنها تنبش في ما استقرت عليه العلاقة بين المالك والمدير والعامل وتضعها تحت الشمس، تُفهم على أنها تهدد البنية ككل: تجلب الفوضى، تُضعف رسوخ المؤسسة، وتهيئ للانهيار.
بين هذا وذاك، تؤوي بعض المجتمعات ذاكرةً ثقيلة من الحروب الخارجية والأهلية التي تجعل الخوف من الانهيار واقعيًا. وبذلك يكون استدعاء «الاستقرار» رد فعل على صدمةٍ تاريخية أكثر من كونه قناعة منطقية. لا بد أن يراكم تطبيع الخضوع تحت سطحه عنفًا بطيئًا. عندما تُختزَل السياسة في إدارة الولاء، ويصبح الاعتراض خيانة، تفقد المجتمعات قدرتها على تصحيح مساراتها بينما تتراكم الضغائن، وتضيق أفاق التخيّل.
في الحقيقة، تتجاوز الهيمنة منطق التفوّق العسكري أو الاقتصادي إلى القدرة على جعل نظامٍ مصنَّع يبدو طبيعيًا وقدريًا. عندما يقنع العاملون بفكرة أنّ الشركة لا يمكن أن تعمل إلا بهذه الطريقة، يبلغ المهيمن أقصى غاياته. لكنّ الموظف المعترض يقلق هذا الترتيب. إنّه يتصرّف باعتبار أن الكرامة غير قابلة للتفاوض، وأن أي نظام مفروض ليس قدرًا محتومًا. وهو «خطير» لأنه ربما يلهم آخرين، ولذلك يجب معاقبته كدرس للمجموع: هذا هو ثمن الجرأة!
في الحقيقة، ربما لا يمكن اختزال علاقات القوة إلى ثنائيةٍ مبسّطة من الخضوعٍ والمقاومة. إنّها شبكةٌ من التبعيات المادية، والذاكرات المدمّاة، والضغوطٍ الجيوسياسية والتحالفات المتداخلة المتراكبة. لكنّ الفكرة النهائية تبقى نفسها: ثمة السلطة تُسوّغ نفسها باعتبارها ضرورة، وثمة المعارضة توسم باللامسؤولية، والبقية تتعذب في المراوحة بين سخط سري وامتثالٍ علني.
تريد هذه التأملات في الحقيقية والمجاز التنبيه فقط إلى أسئلة أساسية: أيّ نمطٍ من الحياة يمكن أن يقبل به الناس باسم النجاة؟ كيف يمكن القبول باختزال معنى «الاستقرار» بحيث يُشرعن الهيمنة؟ كيف يمكن أن تصبح البسالة والمطالبة بالحقوق مرادفات للمقامرة المجنونة غير المحمودة، ومدعاة للتبرؤ والاستنكار -وأكثر؟! وفي النهاية: ما العلاقة بين حدود النجاة والكرامة لأي حياة إنسانية ذات معنى؟!