الدرعاوي يكتب: إغلاق ملف مديونية الجامعات
سلامة الدرعاوي
تتحرك حكومة جعفر حسان باتجاهٍ مختلفٍ يقوم على إغلاق الملفات لا ترحيلها، ومعالجة الاختلالات لا تدويرها، وأبرزها إنهاء ملف مديونية الجامعات الرسمية والتي تضخمت خلال أكثر من عقدين حتى تجاوزت 242 مليون دينار، في مقابل ذمم مستحقة لها على الحكومة تقارب 137 مليون دينار، ما خلق فجوة مالية مركبة أثرت مباشرة على قدرتها التشغيلية والتطويرية.
قرار مجلس الوزراء الأخير يعكس مقاربة مباشرة للأزمة المالية في الجامعات الرسمية، عبر تغطية 46 مليون دينار مستحقة لصالح الجامعات عن أبناء المعلمين، وتحمل 50 بالمائة من مستحقات الضمان الاجتماعي البالغة 47 مليون دينار، إضافة إلى إعفاء ذمم لهيئة الاعتماد بقيمة تقارب 24 مليون دينار، تعني عمليًا ضخ ما يزيد على 100 مليون دينار خلال ثلاثة أعوام.
رقم بهذا الحجم قادر على تحسين التدفقات النقدية، وتخفيف كلف الفوائد البنكية، وإعادة قدر من التوازن للموازنات التشغيلية، غير أن السؤال الجوهري يبقى: كيف تراكمت المديونية أصلًا حتى وصلت إلى نحو 242 مليون دينار، مقابل ذمم مستحقة للجامعات على الحكومة تقارب 137 مليون دينار؟
العودة إلى مسار التمويل تكشف مفصلًا حاسمًا، فمنذ تأسيس الجامعة الأردنية عام 1962، اعتمد نموذج تمويل قائم على ضرائب مخصصة توضع في صندوق لدى البنك المركزي، ما مكّن الجامعات من العمل دون دعم مباشر من الموازنة حتى عام 1997، حينها جرى دمج الصندوق بالموازنة العامة، وثُبت الدعم السنوي عند 45 مليون دينار، رغم أن احتياجات الجامعات كانت تتراوح بين 90 و100 مليون دينار سنويًا.
الفجوة التمويلية أصبحت بنيوية، ومعها برز "البرنامج الموازي" كأداة لتعويض النقص، لكن هل عالج الموازي الخلل أم نقل العبء إلى الأسر والطلبة؟ وهل أدى الاعتماد المتزايد على الرسوم إلى إضعاف العدالة التعليمية؟
ابتعاد الدعم عن كلفته الحقيقية، وتراكم الذمم الحكومية غير المسددة، دفع بعض الجامعات إلى الاقتراض لتغطية الرواتب والنفقات الجارية، حيث تشير تقديرات إلى أن مديونية بعض الجامعات الكبرى بلغت نحو 90 مليون دينار، مع كلف فوائد مرتفعة.
وفي المقابل، نجحت جامعات أخرى في تجنب الاقتراض، ما يطرح سؤال الحوكمة: هل المشكلة في نموذج التمويل فقط، أم في إدارة الموارد أيضًا؟ وهل الإصلاح المالي يجب أن يتزامن مع إصلاح إداري صارم؟
اللافت في القرار الحكومي أنه لم يقتصر على المعالجة المالية، لكن ربط الدعم باشتراطات واضحة، منها تعزيز الانضباط المالي، ووقف القبول تدريجيًا في التخصصات الراكدة، وإعادة هيكلة البرامج، والتحول نحو مسارات تقنية وتطبيقية ورقمية ذات أولوية وطنية، وهذه الشروط تعكس فهمًا بأن الأزمة تدل على وجود اختلال مواءمة مع سوق العمل.
ومن زاوية أوسع، يرتبط إنقاذ الجامعات بمكانتها الإقليمية والدولية، إذ إن الجامعات الأردنية بدأت تحجز مواقع متقدمة في التصنيفات، وهي بحاجة إلى استقرار مالي يمكّنها من الاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتية، غير أن الدعم المالي يجب أن يتحول إلى استثمار إنتاجي لا إنفاقا تشغيليا متكررا، فهل ستُخصص الموارد الجديدة لتخفيض خدمة الدين، أم لتطوير مختبرات، وشراكات صناعية، وبرامج ابتكار؟
المحصلة أن إغلاق الملف ماليًا خطوة ضرورية، لكنها ليست كافية، إذ إن الإصلاح الحقيقي يتطلب إعادة تعريف علاقة الدولة بالجامعات، وتمويل مستقر مرتبط بالأداء، وحوكمة شفافة، وتسعير عادل ومدروس للرسوم، وصندوق طالب يضمن تكافؤ الفرص، ودون ذلك، قد تعود الأزمة في دورة جديدة بعد سنوات.
والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا: هل نحن أمام بداية نموذج تمويل جامعي مستدام يعيد للتعليم العالي دوره كمحرك للنمو لا عبئًا على الموازنة؟