رانيا عثمان النمر تكتب: المعارضة الوطنية الأردنية كما يراها الملك
كتبت: رانيا عثمان النمر
"إن إعلانات الولاء والتفاني للأردن تبقى مجردة ونظرية في غياب الاحترام المطلق للقوانين، إن التواني في تطبيق القانون بعدالة وشفافية وكفاءة يؤدي إلى ضياع الحقوق ويضعف الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها. كما أن تساهل بعض المسؤولين في تطبيق القانون بدقة ونزاهة وشفافية وعدالة ومساواة يشجع البعض على الاستمرار بانتهاك القانون ويترك مجالا للتساهل الذي قد يقود لفساد أكبر، بل إلى إضعاف أهم ركائز الدولة، ألا وهي قيم المواطنة. إن تطوير الإدارة الحكومية مسيرة مستمرة تخضع لمراجعة وتقييم دائمين. وعليه، يجب تحديد مواطن الخلل والقصور والاعتراف بها للعمل على معالجتها، وإرساء وتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة كمبدأ أساسي في عمل وأداء مؤسساتنا وفي جميع طبقات ومراحل الإدارة الحكومية، بحيث يكافأ الموظف على إنجازه ويساءل ويحاسب على تقصيره وإهماله. كما يجب تحقيق تنمية شاملة مستدامة تشمل جميع القطاعات وتضمن توزيع عوائد التنمية على أنحاء المملكة كافة بشكل عادل."
هذه الإقتباسات لم يقلها معارض ولا ناشط سياسي في احتجاج ولم يصرخ بها مواطن من قهره.
بل قالها الملك هي اقتباسات من الورقة النقاشية السادسة للملك عبد الله والتي بمجملها وحذافيرها لا تختلف لا بل تتقاطع وترسخ جذريا كل ما يعرف في السياسة تقليديا وتاريخيا عن أدوار المعارضة الوطنية داخل الدول الديمقراطية والتي تتضمن :
رقابة فعالة على عمل الحكومة وتضمن مساءلتها أمام البرلمان والشعب، كما تكشف الأخطاء وممارسات الفساد وسوء الإدارة. كما تقدم برامج وسياسات بديلة تمثل مصالح الشعب والفئات غير الممثلة، تسهم في رفع وعي المواطنين بحقوقهم وواجباتهم. وتشمل مهام المعارضة ايضا التدقيق في الميزانية العامة، الدفاع عن سيادة القانون واستقلال القضاء، والمشاركة في اللجان البرلمانية لصنع قرارات أكثر كفاءة وعدالة. إضافة إلى ذلك، تحفز المعارضة للإصلاحات المؤسسية والتشريعية، وتؤثر على الرأي العام من خلال الإعلام والبيانات، مع تقديم نقد بناء يهدف لتحسين الأداء الحكومي. كما تساهم في التوازن بين القوى السياسية، وتستعد للانتخابات المقبلة من خلال برامج واضحة وجاهزية لتولي المسؤولية، وتضمن حماية الحقوق المدنية والسياسية، ومصالح الأجيال القادمة، مع تعزيز الاستقرار الديمقراطي عبر المشاركة الإيجابية واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية.
اليوم وفي ظل المتغيرات السياسية الدولية وتوقعات انعكاساتها على الساحة الداخلية الأردنية وخصوصا في الانتخابات النيابية القادمة واحتمالات تغييرات (لا نعلم تفاصيلها) في حزب جبهة العمل الإسلامي والذي يعتبر "جزئيا" حزبا معرضا ألا أنه لا يمثل الجميع ولا يمثل كافة أوجه المعارضة، تبرز الحاجة اليوم إلى" حزب مدني" يمثل المعارضة الوطنية في البرلمان القادم بحيث تتمثل كافة الأطياف السياسية على أسس حزبية ويشعر جميع المواطنين أن هناك من يعبر عن همومهم وقضاياهم داخل مؤسسة البرلمان. بحيث يمارس هذا الحزب دوره في المعارضة والمشاركة في الحياة السياسية على الأسس التى وردت في الورقة النقاشية الرابعة كما قال الملك:
" إن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية ترتب مسؤوليات على كل فرد منّا فيما يتعلق بكيفية الانخراط في العمل السياسي. وقد ذكرت في ورقتي النقاشية الأولى أربع ممارسات يترتب على كل المواطنين الإيمان بها حتى تزدهر الحياة السياسية، وهي: احترام الرأي الآخر، والانخراط الفاعل، وتبني الحور والحلول الوسط ورفض العنف، والشراكة في التضحيات والمكاسب.
ما أوّد التأكيد عليه هنا هو أن الاختلاف في الرأي والمعارضة البناءة الملتزمة بهذه الممارسات، والتي تبني مواقفها على أساس الحقائق والوعي، وليس الانطباعات والإشاعات أو الاعتبارات الشعبوية، تشكل أحد أهم الوسائل التي يعبر المواطن من خلالها عن ولائه للوطن" انتهى الإقتباس.
إن المعارضة البناءة التي تبنىي مواقفها على أساس الحقائق والوعي ضمن إطار "حزب مدني" يجب أن تكون محصنة عن فكرة "الشيطنة" أي تحويل أي نقد سياسي والمواقف المعارضة إلى خصوم للدولة أو متآمرين ضد الأمن الوطني الأمر الذي يشكل تحدي عميق يتعلق بمفهوم التعددية السياسية وحرية التعبير في نظام ديمقراطي يتسم بحدود نسبية للمجال المدني والسياسي. وبالتالي ضرورة تحديد ضوابط معيارية للمصطلحات والخطاب السياسي والخطاب الإعلامي والخطاب الحزبي بعيدا عن أي لغة سياسية تحرّض ضد المعارضة أو تُقلل من شرعيتها كفاعلين سياسيين في المشهد الأردني بما يمنع التشويه للخصوم السياسيين بحيث يمكن موازنة الحفاظ على الأمن والاستقرار الوطني مع إتاحة مساحة سياسية حقيقية للمعارضة الوطنية
وهنا نقتبس ماذا قال الملك في الورقة النقاشية الثالثة بتعريف طبيعة أداء النائب المعارض :
" أن يوازن النائب بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة. إن تحقيق هذا التوازن هو تجسيد للأداء السياسي الفاعل، حيث يترتب على النواب العمل مع بعضهم البعض من جهة، ومع الحكومة من جهة أخرى لمواجهة مختلف التحديات الوطنية. كما أن الحاجة للموازنة بين هذه المسؤوليات، تعكس في الواقع أن النواب هم أعضاء في جسم سياسي واحد هو مجلس النواب، الذي عليه مسؤولية القيام بواجباته، وأن الحكومة أيضاً تتمتع بتفويض دستوري يخولها القيام بمسؤولياتها وتنفيذ برنامجها، استنادا إلى مبدأ الفصل بين السلطات وعدم تغول إحداها على الأخرى. وفي ذات الوقت، فإن على النواب مسؤولية إخضاع الحكومة للمساءلة من خلال المعارضة البنّاءة للبرامج المطروحة، وتقديم برامج بديلة إذا دعت الحاجة، والابتعاد عن التنظير وعن الاكتفاء بالتشخيص غير الموضوعي للماضي ولما نواجهه من تحديات، بدلا من طرح الحلول الواقعية للتقدم للأمام وضمن الإمكانات المتاحة. ويشكل مبدأ المساءلة أحد الأدوات الجوهرية في نظامنا الديمقراطي، ويجب أن لا يتم إساءة توظيفه بحيث يتحول لأداة لتمرير مصالح نيابية فردية ضيقة، أو اغتيال الشخصية، أو تعطيل القوانين والبرامج المقترحة بهدف النيل من خصم سياسي. وخلاصة القول، إن تحقيق التوازن الدقيق بين مسؤولية التعاون ومسؤولية المعارضة البناءة هو المحك الحقيقي لفاعلية المجالس النيابية القادمة" انتهى الإقتباس
بين النقد البناء والشعبوية :
إن المرحلة القادمة قد تشهد إعادة لتعريف المعارضة بحكم أنه قد يتشكل فراغ يجب أن يتم ملؤه في منطقة أحزاب يسار الوسط وهي الأقرب للمعارضة ومن باب عدم اعادة اختراع العجلة، فإن العودة للورقة النقاشية الرابعة لجلالة الملك كأوراق مرجعية تمثل خارطة طريق ضامنة للتوازن وحاضنة للجميع مما يشكل فرصة لانطلاقة حزب مدني معارض. وبخصوص اللغة السياسية ومفرداتها والخطاب الإعلامي والخطاب السياسي بشكل عام والحزبي بشكل خاص ومصطلحاته فلا يجوز اقحام توصيفات رديئة مثل " اللطميات" في هذه الحوارات والنقاشات ومن هنا وجب التمييز بين مدرسة الشعبويات ومدرسة النقد الوطني في خطاب المعارضة.
تهدف الشعبوية Populism إلى تكوين قاعدة جماهيرية واسعة عبر خطاب يقدّم الشعب، وليس بالضرورة إصلاح النظام أو تعزيز الديمقراطية باستخدام لغة عاطفية، مبسطة، أحيانًا حادة أو مثيرة للانقسامات، وتركز على العواطف أكثر من الحقائق أو السياسات المفصلة ةقد تتجاهل القوانين والمؤسسات أحيانًا.
أما المعارضة السياسية (Political Opposition)فتهدف إلى الرقابة على السلطة وتقديم بدائل سياسية
وتحمي حقوق المواطنين، وتساهم في تطوير النظام الديمقراطي عبر النقد الموضوعي وتقدم حلول واقعية
ضمن الأطر القانونية والمؤسساتية بحيث تمثل مصالح الشعب والفئات غير الممثلة وتعزز الشفافية والمسائلة وتدافع عن القانون والدستور وحقوق الإنسان.
الحكومة البرلمانية وتحوّل دور الأحزاب بين السلطة والمعارضة:
في إطار نظام حكومي برلماني، كما يسعى الأردن إلى ترسيخه ضمن مشروع التحديث السياسي، يصبح الحزب أو التحالف الذي يحصل على أكثر من نصف مقاعد البرلمان مؤهلاً لتشكيل الحكومة، وتصبح سياسته وبرامجه أساس عمل السلطة التنفيذية. في هذه الحالة، يتحول هذا الحزب إلى حزب حاكم، تتحمل قياداته مسؤولية إدارة شؤون الدولة وتنفيذ السياسات، وهو خاضع بدوره لرقابة البرلمان والشعب
في المقابل، الأحزاب أو القوى التي لم تحقق الأغلبية البرلمانية تتحول تلقائيًا إلى معارضة سياسية هذا التحول ليس وصفًا سلبيًا، بل وظيفة دستورية وديمقراطية: فهي تراقب أداء الحكومة، تقدم النقد البناء.
هذا التوازن هو أساس مشروع التحديث السياسي الأردني، حيث يُنظر إلى تداول السلطة بين الحزب الحاكم والمعارضة كأداة لضمان الشفافية والمساءلة، وتحويل الانتخابات إلى آلية حقيقية لتغيير السياسات وليس مجرد انتخابات شكلية بحيث أن المواطنة الفاعلة لا تكتمل إلا بممارسة واجب المساءلة كما قال الملك في الورقة النقاشية الأولى " وتذكروا أن الديمقراطية لا تصل مبتغاها بمجرد الإدلاء بأصواتكم، بل هي عملية مستمرة من خلال مساءلتكم لمن يتولون أمانة المسؤولية، ومحاسبتهم على أساس الالتزامات التي قطعوها على أنفسهم. كما أن الديمقراطية مستمرة أيضاً من خلال انخراطكم في نقاشات وحوارات هادفة حول القضايا التي تواجه أسركم، ومجتمعاتكم المحلية، والوطن بعمومه، وفي مقدمتها محاربة الفقر والبطالة، وتحسين خدمات الرعاية الصحية والتعليم والمواصلات العامة، والحد من آثار الغلاء المعيشي، ومحاربة الفساد بأشكاله وأي إهدار للمال العام. وتتطلب هذه الممارسات أن يتقدّم المرشحون للانتخابات ببرامج عملية وموضوعية مبنية على الحقائق وليس الانطباعات، بحيث توفر تلك البرامج حلولا قابلة للتنفيذ لمعالجة مشاكلنا، مع تجاوز الشعارات البرّاقة والتنظير والإفراط في تشخيص المشاكل دون طرح حلول واقعية وعملية" انتهى الأقتباس.
الخلاصة:
في ظل منظومة التحديث السياسي وهدفها التحول نحو حكومات برلمانية وما سبقها من سلسلة الأوراق النقاشية الملكية تأتي هذه الرؤى لجلالة الملك لتوضح العلاقة بين سيادة القانون وفاعلية المعارضة وضرورة تطوير الحياة الحزبية، بما يعزز الديمقراطية خصوصا في الورقة النقاشية السادسة والتي حملت عنوان" سيادة القانون أساس الدولة المدنية" عبر تطبيق مبادئ العدالة والشفافية، واحترام التعددية وقبول الرأي الآخر كركائز أساسية في الحياة العامة، وفي هذا السياق لا تقتصر على دعوة مجردة إلى حرية التعبير، بل يُعطي المعارضة الوطنية دورًا محوري في منظومة الفعل السياسي.
إن رؤى جلالة الملك تعكس فهمًا عميقًا بأن الديمقراطية ليست مجرد تنافس انتخابي، بل هي عملية تنظيمٍ مؤسساتية متكاملة، تتطلب أحزابًا ناضجة وبيئة سياسية تشجع على النقاش العقلاني واحترام قواعد اللعبة.
وخلاصة القول أن رؤية الملك عبدالله الثاني تجاه المعارضة الوطنية الأردنية لا تقف عند حدود النقد السياسي أو الانتقاد المؤسسي، بل تمتد إلى إدماجها ضمن منظومة الحكم الديمقراطي الحديثة حيث تلعب دورًا في عمليات التشريع والرقابة، وتمثل بدائل سياسية قائمة على برامج واضحة، وتساهم في انتقال الأردن نحو حكومات برلمانية فاعلة تحت مظلة سيادة القانون والدستور