أبو زينة يكتب: غاية العرب في عالمٍ يتغير..! (2-2)

 

علاء الدين أبو زينة


إذا استقرّ لدى أصحاب القرار اقتناع بضرورة إعادة تعريف غاية العرب بما يخدم مصالحهم ومستقبلهم، فإن نقطة البدء ستكون حسم الخيار المؤجَّل: هل يقنع العرب بالبقاء في وحداتٍ مستقرة شكليًا، لكنها مُلحقة سياسيًا واقتصاديًا بنظامٍ دولي يكتب قواعده الآخرون؛ أم يستثمرون في عناصر القوة الكامنة للتحول إلى كتلةٍ حضارية قادرة على التأثير في صياغة هذه القواعد؟
 

على مدى عقود، أتاح مزيج من المناورات التكتيكية، والاقتصادات الريعية، والترتيبات الأمنية المُفوَّضة للخارج، للعرب تأجيل مواجهة هذا السؤال. لكنّ التحولات العالمية المتسارعة– في موازين القوة، والتقنية، وأنماط الإنتاج، ومفاهيم الشرعية– لن تتعاطف مع نموذج “استقرار” هشّ، عاجز حتى عن مواجهة أسئلته التأسيسية.
وثمة سؤال “السيادة” في قلب أي بحث عربي جاد عن الغاية. ينبغي التوقف عن تعريف السيادة لتعني الشكل القانوني والشعاراتي الذي بلا أحشاء، والتفكير فيها بمعنى استقلال القرار السياسي، وبناء اقتصادات غير مرتهنة، وامتلاك الثقة الحضارية اللازمة لتعريف المصالح من الداخل. وستكون السيادة بهذا المعنى الشرط الضروري للتفاوض على اعتماد متبادل من موقع الكرامة والندية. ومن دونها، يكون “الاندماج في الاقتصاد العالمي” وصفًا لتفاعل من موقع الاستهلاك والقابلية للابتزاز، وتكون “الشراكات الأمنية” تقنينًا للتبعية وتعميق نفوذ “الشريك” الخارجي على حساب الخيارات الوطنية. ويفسر غياب هذا المعنى العملي للسيادة انخراط دول عربية في سياسات تتناقض بوضوح مع مصالح مجتمعاتها، وتُسهِم في تفكيك إقليمها، وتتصادم مع قيمها المعلنة. ولذلك السيادة شرط بقاء في عالم منهمك في إعادة توزيع القوة.
ولن تستقيم السيادة بلا مراجعة جادة وحسنة النية للعلاقة بين الشعوب والحكومات. ثمة عالم يمنح أولوية لرأس المال البشري، والابتكار، والتماسك الاجتماعي. ولا مكان في هذا العالم الجديد لمنظومات تُدير علاقتها مع مواطنيها باعتبارهم مصدر تهديد أكثر من كونهم المورد الذي ما له بديل ولا يُقدّر بثمن. وفي الحقيقة، ينعُم إقليم العرب بهبة ديموغرافية فذة يعاني من فقدانها الآخرون: كتلة شبابية واسعة تختزن قدرًا هائلًا من الطاقة التي تعادل قيمة الحياة نفسها.
يمكن أن تكون هذه الكتلة رافعة للتجدد بقدر ما قد تكون عامل اضطراب. والاختيار واضح: إما إطلاق طاقة هذه الكتلة بطريقة إيجابية، عن طريق كتابة عقد اجتماعي عادل، وبناء مؤسسات المشاركة والمساءلة، وانتهاج سياسات تقدر التعليم وإنتاج المعرفة؛ أو اختيار مقاربات أمنية تُراكم الاحتقان وتُعظم الضغط حتى الانفجار المدمر لدى بلوغ الكتلة الحرجة. ولا يمكن لمشروع غايةٍ عربي أن ينهض على مجتمعات مهمشة، خائفة وفاقدة للثقة في حكوماتها.
على مستوى الإقليم، كان التفكك هو السمة الغالبة لتعامل النظام العربي مع مكوناته ومع قوى الإقليم، بطريقة خفّضت كلفة التدخل الخارجي على المهيمنين الطامحين ورفعت عوائده. وبينما سعت أقاليم أخرى إلى بناء تكتلات اقتصادية وأمنية حول أدنى المشتركات، وعززت بذلك قدرتها التفاوضية، بقيت الدول العربية تتصرف فرادى بطريقة ضمنت أن تكون كل واحدة– مهما امتلكت من القدرة والثروة- عاجزة عن مجابهة تحديات المنافسة العالمية، أو مواكبة الثورة التقنية، أو حتى تأمين أمنها الوطني بقدراتها الذاتية.
كانت النتيجة أن العرب لم يكونوا القوة المرجِّحة في إقليمهم، رغم كل مؤهلاتهم الجغرافية والبشرية والاقتصادية. وبدلًا من معالجة أسباب الخلل البنيوي، برروا ضعفهم بتضخيم عدوانية متصورة من جيران الإقليم التاريخيين، وتذرعوا بالمبالغة في تقدير تهديدهم المحدود– أو غير الموجود في الحقيقة- لاستدعاء القوى الخطيرة وجوديًا والمعروفة تاريخيًا بعدائها المعلن للعرب، من الإمبرياليين التاريخيين ومستعمرتهم الوحشية غير الأصيلة في المنطقة، لتولّي أدوار الحماية، بما رسّخ منطق الارتهان وضمن بقاء الإقليم ساحة صراع مفتوحة. والحقيقة أن هذه كانت وسيلة للتهرب من مواجهة العدو الأساسي والتلهي عنها بإدارة “عداوات” هامشية هي في أصلها منافسات طبيعية في كل إقليم.
كان بالإمكان دائمًا– وما يزال– إعادة ترتيب العرب علاقاتهم بجيران الإقليم التاريخيين– على أساس تصرف العرب ككتلة- على أساس المصالح المشتركة، والتاريخ المتداخل، والوزن الجماعي، والتناقض المشترك مع المركز الاستعماري الغربي، بما يسمح بتحويل المنطقة من ميدان تنافس مدمر إلى قطب عالمي فاعل.
في كل ذلك، وعند المفترق الحاسم للغاية العربية، ثمة فلسطين. كانت فلسطين، وتظل وستظل البوصلة الأخلاقية الجامعة للعرب–وللبشرية في الحقيقة- ونقطة الاختبار لاتساق الخطاب مع الفعل. ومنذ تم السماح بتراجعها كقضية مركزية، تآكل المعنى في المجال العربي العام، وحلّت الحسابات الظرفية محل المبادئ. ولم يجلب هذا التخلي استقرارًا بقدر ما صنع فراغًا قيميًا لتمرح فيه العدمية والتطرف.
في عالم اليوم الذي يُسند قيمة للسرديات والشرعية تماثِل ما يُسنده للقوة المادية، لا يمكن للعرب أن يعرضوا أنفسهم كفاعل متماسك وأخلاقي وذي شخصية بينما يتخلون عن قضاياهم التأسيسية التي ينبغي أن تجلب الاحترام. وقد تحددت نظرة الكثيرين من مواطني العالم إلى العرب بموقف العرب مما يحدث في فلسطين– وخاصة في السنتين الأخيرتين. وستكون استعادة الاتساق بين القيم المعلنة والسلوك الإستراتيجي بشأن هذه القضية رصيد قوة ناعمة بقدر ما هي ضرورة للصلابة الداخلية.
يبقى عامل الزمن، وهو الأكثر قسوة. لطالما أدّى تأجيل القرارات المصيرية العربية إلى تعميق أزمتهم فحسب. وكما يحدث، أصبحت لغة “لا نستطيع”، “لسنا مؤهلين”، “لا نملك الإمكانات”، و”لا قِبل لنا” أدبيات رائجة لا يخجل مؤلفوها من بيع التبعية باسم الواقعية. ووصل الأمر إلى حقن هذه المُحبطات حتى في الجهد الضروري لتعريف الغاية نفسه. والتاريخ يُظهر أن الأمم التي تعجز عن النهوض لتعريف غايتها في لحظات التحوّل، ستُضطر إلى ارتداء الغاية التي يفصلها لها الآخرون.
وأي غاية سيدخرون للعرب؟ تعريفهم كفضاء وظيفي لا كذات تاريخية؛ واعتبارهم سوقًا للاستهلاك؛ وممرًا للطاقة؛ ومساحة مستباحة؛ وحزامًا أمنيًا هشًا، ومستودعًا لتصدير الأزمات التي تُدار ولا تُحَل. كل ذلك مع إلزامهم بالطاعة باسم الاستقرار، والتكيّف باسم الواقعية، ونسيان أي مسعى إلى المعنى باسم البقاء.
والمطلوب؟ أتصوَّرُ أن الشعب العربي يطالب قادته، كحق طبيعي غير قابل للتفاوض، بتأسيس مشروع واعٍ لاستعادة موقف الفاعل التاريخي. وهو مشروع يتطلب شجاعة فكرية لمراجعة المسلّمات؛ وشجاعة سياسية لإصلاح النظم الراكدة؛ وشجاعة إقليمية لاستبدال منطق التنافس صفري المحصلة بمنطق التعاون حيث تتقاطع المصالح. وستكون الكلفة مرتفعة، لكنها كلفة استثمار في المستقبل لمصلحة ما لا يقل عن أُمّة كاملة، ولا تُقارن ولو من بعيد بكلفة الاستمرار في إدارة التراجع. وينبغي التقرير بشأنه، هنا والآن، وبسرعة.