الدرعاوي يكتب: حوار الضمان الاجتماعي
سلامة الدرعاوي
مخرجات الحوار الذي قاده المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني لا يجوز التعامل معها وكأنها قرارات تنفيذية أو تشريعات نافذة، فالمجلس قام بدوره الطبيعي كمؤسسة استشارية بحثية، حيث أدار حوارًا وطنيًا واسعًا، التقى عشرات المعنيين بملف الضمان الاجتماعي، وخرج بتوصيات رُفعت إلى أصحاب الولاية الفعلية، أي السلطتين التنفيذية والتشريعية.
والنقد الذي وُجّه للمجلس يغفل هذه الحقيقة الأساسية، ويحمّله ما لا يملكه من صلاحيات.
جوهر هذا الحوار يتمثل في حماية استدامة المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي للأجيال المقبلة، وهذا هو الهدف المركزي الذي التقت عنده مختلف الآراء، وهو الحفاظ على حيوية النظام التأميني وقدرته على الوفاء بالتزاماته، في ضوء مؤشرات الدراسة الاكتوارية الحادية عشرة التي دقّت جرس الإنذار بشأن نقاط التعادل المتوقعة في عامي 2030 و2038.
المجلس شكّل لجنة توجيهية عليا، وأعد مادة تحليلية مبنية على الدراسة، واعتمد آلية تواصل إعلامية منظمة لضمان الشفافية، ثم أدار جلسات معمقة مع تسع مجموعات تمثل الأحزاب وأصحاب العمل والنقابات المهنية والعمالية ونقابة الصحفيين ومؤسسات المجتمع المدني ومراكز البحوث والأكاديميين والخبراء، إضافة إلى الكتل النيابية الخمس، مع تضمين المرأة والشباب في مختلف الفئات.
التوصيات التي خرج بها الحوار عملية وقابلة للتطبيق، لكنها تحمل تحديًا كبيرًا في التنفيذ، اذ ان رفع سن تقاعد الشيخوخة تدريجيًا، والتشدد في التقاعد المبكر، لم يأتيا من فراغ؛ فمتوسط العمر في الأردن يقترب من 75 عامًا، ولم يعد سن الستين واقعيًا اقتصاديًا، كما أن التقاعد المبكر بات أحد أكبر اختلالات منظومة الضمان، وهو نموذج لا تعمل به إلا دول قليلة جدًا.
ومع ذلك، فإن أي نقاش لقانون الضمان بمعزل عن تشريعات حيوية أخرى، وعلى رأسها قانون العمل، سيقود إلى نتائج متناقضة، وهو ما يُشدَّد عليه في الضمان يمكن أن يُفرَّغ من مضمونه عبر مسارات أخرى تسمح بتسريح نسب من العاملين في القطاع الخاص، وهو قطاع يضم أكثر من مليون عامل ويعاني أصلًا من فائض وظيفي مرتبط بالظروف الاقتصادية والمسؤولية الاجتماعية.
الأهمية هنا ليست في مسميات الحوكمة، سواء سُمّي محافظًا أو مجلس مفوضين أو هيئة مستقلة، لكن في بناء آليات داخلية حقيقية تعزز استقلال القرار، وتمنع التدخلات والضغوط، وتعيد ضبط معايير تمثيل الضمان في الشركات المساهمة على أساس الكفاءة والإنتاجية فقط، والتجربة السابقة شهدت اختراقات واضحة في هذا الملف، وهو ما يستدعي إصلاحًا مؤسسيًا جادًا لا تجميليًا.
الإصلاح المطلوب أعمق من تعديل مواد قانونية، ونحن أمام حاجة لإصلاح هيكلي شامل، وتوسيع قاعدة الشمول لتضم كل من يعمل على الأراضي الأردنية بمختلف الجنسيات، ومكافحة التهرب التأميني الذي يقدَّر بنحو 24 بالمائة، وإدخال حوافز وقنوات جديدة للامتثال، وتطوير استراتيجية صندوق استثمار أموال الضمان عبر تنويع الاستثمارات جغرافيًا وقطاعيًا. دون ذلك، سنعود مع كل دراسة اكتوارية إلى النقطة ذاتها.
الحوار الوطني أكد حرصًا عاليًا على الموازنة بين الاستدامة المالية والحقوق التأمينية، وبلور توافقًا واسعًا حول الحد من التقاعد المبكر، والمساواة بين الجنسين، وتوسيع مظلة الحماية للفئات الضعيفة والعمالة غير المنظمة والأعمال المؤقتة، وهي توجهات تنسجم مع رؤية بناء نظام حماية اجتماعية عادل ومستدام كما أكدتها توجيهات الملك عبد الله الثاني.
الكرة الآن في ملعب أصحاب القرار، إما ترجمة هذه المخرجات إلى إصلاح متكامل متناسق بين القوانين والسياسات، أو الاكتفاء بمعالجات جزئية تعيد إنتاج المشكلة بصيغ جديدة.