الدعجة يكتب: السردية الأردنية: بناء الذاكرة الوطنية بين التاريخ والهوية والمستقبل
حسن الدعجة
إن الاستشراف الذي عبّر عنه سمو ولي العهد خلال لقائه في محافظة الطفيلة، حين نبّه إلى أهمية السردية الوطنية وضرورة توثيقها، شكّل حجر الأساس لانطلاق هذا المشروع الوطني الكبير. فقد جاء ذلك الطرح في توقيت بالغ الأهمية، ليؤكد أن بناء المستقبل لا يمكن أن ينفصل عن فهم عميق للماضي، ولا عن امتلاك رواية وطنية واضحة ومتماسكة تعبّر عن تجربة الدولة والمجتمع معًا.
ويمثّل إطلاق مشروع توثيق السردية الأردنية "الأردن: الأرض والإنسان" خطوة استراتيجية تتجاوز مجرد جمع الروايات التاريخية، لتصل إلى مستوى صياغة وعي وطني متكامل يستند إلى العلم والمعرفة والتجربة المجتمعية. فالمشروع الذي جاء استجابة لرؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وفي لحظة رمزية تتزامن مع الذكرى الثمانين لاستقلال المملكة، يعكس إدراكًا عميقًا لأهمية السردية الوطنية بوصفها أحد أعمدة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وركيزة أساسية لتعزيز الهوية الجامعة وترسيخ الانتماء الوطني لدى الأجيال القادمة.
تُعدّ السردية الوطنية أداة مركزية في بناء الدولة الحديثة، فهي ليست مجرد تسلسل للأحداث أو سردٍ للتواريخ، بل الإطار المعرفي والرمزي الذي يفسّر نشأة الدولة، ويحدد مكانتها في محيطها الإقليمي والدولي، ويربط الماضي بالحاضر ويمنح المستقبل اتجاهًا واضحًا. وفي الحالة الأردنية، تكتسب هذه السردية خصوصية لافتة، لأن المملكة قامت على أرضٍ غنية بالتاريخ الإنساني، شهدت حضارات متعاقبة، وكانت عبر العصور ملتقى طرق بين الشرق والغرب، ومجالًا للتفاعل الثقافي والاقتصادي والسياسي.
ومن هنا تأتي أهمية توثيق السردية الأردنية علميًا، من عصور ما قبل التاريخ وحتى اليوم، لتقديم قراءة متماسكة لمسار الأردن الطبيعي والإنساني، بعيدًا عن الاختزال أو الانتقائية أو التوظيف الأيديولوجي. فالدولة التي تمتلك رواية واضحة عن نفسها تكون أكثر قدرة على حماية ذاكرتها، ومواجهة محاولات التشويه أو التفسير المجتزأ للتاريخ، كما تكون أكثر قدرة على بناء هوية وطنية جامعة تعزز الانتماء والثقة بالمؤسسات.
العلم والمجتمع في صناعة الذاكرة، يعد أحد أبرز عناصر القوة في المشروع يتمثل في تشكيل لجان علمية متخصصة تضم نخبة من الباحثين في مجالات الثقافة والآثار والتاريخ والجغرافيا والجيولوجيا والمجالات الاخرى. هذا التوجه يعكس إدراكًا بأن السردية الوطنية لا يمكن أن تُبنى على الانطباعات أو الروايات الشفوية وحدها، بل تحتاج إلى أساس علمي موثق يستند إلى الأدلة والبحث الأكاديمي.
لكن المشروع لا يكتفي بالجانب الأكاديمي، بل يفتح المجال أمام المشاركة المجتمعية من خلال منصة “قصص من الأردن”، التي تتيح للأردنيين توثيق تجاربهم وقصصهم المرتبطة بتاريخ المجتمع. هذا الدمج بين الرواية العلمية والرواية المجتمعية يخلق سردية أكثر حيوية وواقعية، تعكس صوت الناس إلى جانب صوت المؤرخين.
فالتاريخ لا يُصنع فقط في القصور والمعارك والقرارات الكبرى، بل يتشكل أيضًا في حياة الناس اليومية، في عاداتهم، وحرفهم، وهجراتهم، وتجاربهم مع الأرض والمدينة والبادية. ومن هنا، فإن إشراك المواطنين في توثيق هذه الذاكرة يساهم في تعزيز شعورهم بالانتماء والمسؤولية تجاه تاريخ وطنهم.
في عالم يشهد صراعات على الهوية، فالسردية كرافعة للهوية الوطنية، وانتشارًا للروايات المتضاربة، تصبح السردية الوطنية أداة أساسية لحماية التماسك الاجتماعي. فالأردن، الذي يتميز بتنوعه الاجتماعي والثقافي والجغرافي، يحتاج إلى سردية جامعة تؤكد القواسم المشتركة بين مكوناته، وتبرز التجربة التاريخية المشتركة التي صاغت الدولة والمجتمع.
إن توثيق هذه السردية يساهم في ترسيخ مفاهيم المواطنة والانتماء، ويمنح الأجيال الجديدة فهمًا أعمق لجذور دولتهم، بعيدًا عن السرديات المجتزأة أو المؤدلجة. كما أنه يعزز الثقة بالمؤسسات الوطنية، ويقدم نموذجًا للدولة التي تحترم تاريخها وتستثمره في بناء مستقبلها.
لا يقتصر أثر السردية الوطنية على الداخل فقط، بل يمتد إلى صورة الدولة في الخارج. فالدول التي تمتلك رواية واضحة ومتماسكة عن نفسها تكون أكثر قدرة على تقديم هويتها الثقافية والسياسية للعالم، سواء في المجال الدبلوماسي أو السياحي أو الثقافي.
وفي حالة الأردن، الذي يلعب دورًا إقليميًا مهمًا، فإن توثيق السردية الوطنية يساهم في إبراز دوره التاريخي كجسر حضاري، وكمركز للاستقرار في منطقة مضطربة. كما أنه يدعم السياحة الثقافية، من خلال تقديم قصة متكاملة عن الأرض والإنسان، تربط المواقع الأثرية بالتجربة التاريخية للشعب الأردني.
إطلاق حوارات على مستوى المحافظات لتوثيق الذاكرة الأردنية يشير إلى توجه استراتيجي نحو بناء سردية تشاركية، لا تقتصر على المركز، بل تشمل الأطراف والمجتمعات المحلية. وهذا يعزز العدالة في تمثيل التاريخ، ويمنع احتكار الرواية من قبل فئة أو منطقة دون أخرى، فتشكل ذاكرة وطنية مستدامة.
إن المشروع، في جوهره، ليس مجرد مبادرة ثقافية، بل هو استثمار طويل الأمد في الوعي الوطني. فالسردية التي تُبنى اليوم ستشكّل أساسًا لفهم الأجيال المقبلة لهويتهم ودولتهم ومكانهم في العالم.
يمثل مشروع توثيق السردية الأردنية خطوة نوعية في مسار بناء الذاكرة الوطنية على أسس علمية ومجتمعية راسخة، إذ يجمع بين البحث الأكاديمي المتخصص والمشاركة الشعبية الواسعة، بما يضمن سردية متوازنة تعكس صوت المؤسسات وصوت المجتمع معًا. كما يسهم المشروع في تعزيز الهوية الوطنية الجامعة، وترسيخ القيم المشتركة، ودعم مكانة الأردن داخليًا وخارجيًا. وفي ظل التحولات الإقليمية والعالمية المتسارعة، يصبح امتلاك سردية وطنية واضحة ومتماسكة ضرورة استراتيجية لحماية الاستقرار، وتعزيز الانتماء، وتوجيه الأجيال نحو مستقبل أكثر وعيًا وثقة بالدولة ومؤسساتها.