العايدي يكتب: السياسة الشرعية (2): "فن الممكن" بلا خيانة القيم

 

د.محمد صبحي العايدي


مفهوم "فن الممكن" في السياسة، كثيراً ما يقدم بوصفه تسويغاً ذكياً لكل ما هو منفلت من القيم، وتهرباً من الاستحقاقات مع الآخرين، وقد كشفت الوثائق التي نشرت مؤخرا في قضية "إبستين" بما حملته من شبكات نفوذ، واستغلال، وصمت متواطئ باسم المصلحة، الوجه العاري للبراغماتية المطلقة، فحين تنفصل السياسة عن الأخلاق، هناك لم يعد "فن الممكن" مساحة إدارة عقلانية للواقع، بل تحول إلى غطاء للخداع والتحايل، ولم تعد الواقعية وعياً بالحدود، بل شرعنة لانتهاك الإنسان متى خدم ذلك مراكز القوة، في مثل هذه النماذج يتضح أن المشكلة لم تكن في السياسة، بل في انفلاتها الكامل من أي إطار قيمي وأخلاقي.
 

في هذا السياق تحديداً تبرز السياسة الشرعية بوصفها نموذجاً مغايراَ جذرياً، فهي لا تنكر "فن الممكن"، لكنها تضعه في إطاره الأخلاقي والقيمي والمقاصدي، وتفصل بوضوح بين إدارة الواقع وتسويغ انحرافه، السياسة الشرعية سياسة ذات قيم، غير منفلتة، في منظورها لا يعتبر الخداع ذكاء سياسياً، ولا الصمت على الانتهاكات من الحكمة المتعالية، ولا النجاح المجرد من القيم الإنسانية معياراً للصواب، وهذا الفرق الجوهري بينها وبين البراغماتية المطلقة، التي تفصل الغاية عن الوسيلة، وتحول المصلحة إلى ذريعة لإسقاط كل قيد أخلاقي أو إنساني.
ومن هنا فإن السياسة الشرعية تمثل جانب الواقعية في الفقه الإسلامي، واقعية لا تسقط القيم، بل تنزلها إلى أرض الاجتماع الإنساني، فهي التي تخرج الفقه من حالة الجمود إلى حالة التفاعل الحضاري مع الواقع الجديد، وتمنحه القدرة على التعامل مع الدولة الحديثة، والاقتصاد المعقد، والعلاقات الدولية المتشابكة، دون أن يفقد هويته أو يتنازل عن مقاصده، فالفقه الذي لا يقرأ التحولات السياسية والاقتصادية والمجتمعية، سيبقى صحيحاً في الكتب عاجزاً عن أي تأثير في الواقع.
بهذا المعنى يمكن للسياسة الشرعية أن تعيد للأمة حضورها الفكري والثقافي في زمن المتغيرات الكبرى، لا بوصفها مرحلة تاريخية تستدعى في كل الأوقات لإثبات الصواب، بل بوصفها وعياً حياً قادراً على الفهم والتأثير والتبادل المعرفي، فهي لا تنقل تجارب الماضي نقلاً حرفياً، ولا تقدس حقبة زمنية على حقبة أخرى، بل تستدعي روحها الاجتهادية التي صنعت تلك التجارب، فالمشكلة في وعينا المعاصر هو في استخدام الماضي درعاً نفسياً لإسكات أسئلة الحاضر، بدل أن يكون مختبراً لفهمه.
ويبقى السؤال: لماذا يقف الفقه الإسلامي اليوم عاجزاً أمام التحولات الكبرى؟ 
العجز ليس في النص بكل تأكيد، ولا في التراث أيضاً فهو نشاط فكري بشري، بل في طريقة التعامل معهما، هو عجز في قراءة الزمن، وليس في حفظ الأحكام، وعجز في امتلاك أدوات التحليل وليس في النوايا، فتجد شخصاً يسرد لك أقوال الفقهاء والمذاهب الفقهية بتفاصيلها واختلافاتها، ومع ذلك لا يستطيع أن يجيب على أبسط أسئلة العصر باحترافية فقهية، متذرعاً بالخوف من الاجتهاد، حينها يصبح الخوف من الخطأ أكبر من الخوف من العجز، ومن هنا تبدأ عملية بناء الجدار الفقهي للتحصين من كل ما هو جديد ومعاصر، باسم الاحتياط والأحوط والمعتمد والمتفق عليه، ويغلق باب الاجتهاد باسم المحافظة على التراث، ويتحول الفقه من أداة توجيه حضاري إلى خطاب دفاعي يكتفي بإدانة الواقع، بعد الانسحاب منه وشعوره بالعجز عن الولوج فيه.
السياسة الشرعية جاءت لتمنع هذا الانسحاب، جاءت لتقول إن التمسك بالقيم لا يعني الهروب من الواقع، وإن الواقعية لا تعني التخلي عن الأخلاق، وإن "فن الممكن" لا يسوغ الانفلات من كل قيد قيمي أوإنساني، وحين تتغير الأسئلة لا بد أن تتغير الأجوبة، وليس هذا تمييع للدين، بل دليل على سعته وقدرته على التكيف مع الواقع الجديد، مع الحفاظ على المقاصد الكبرى كوحدة المجتمعات، وتقليل الظلم، ومنع الفوضى، وفتح أفق الأصلاح الممكن، وتغيير الأدوات، وتبديل الصيغ، مع بقاء البوصلة واحده، وفي نفس الاتجاه الذي يحفاظ على القيم والأخلاق والمقاصد.
في هذا المعنى لا تكون السياسة الشرعية تسويغاً للواقع، ولا التفافاً على النص، ولا نسخة دينية من البراغماتية، بل فقهاً واقعياً أخلاقياً، يسعى لإدارة الواقع دون أن يفقد روحه، وللتعامل مع متغيرات العصر دون التنازل عن قيمه، وللبقاء في قلب الحضارة الإنسانية لا على هامشها.