الخصاونة يكتب: الأحزاب الأردنية بين إعادة الهيكلة ومتطلبات المرحلة السياسية الجديدة التحول الى العمل البرامجي شرط استعادة الثقة في الشارع
المحامي حسام حسين الخصاونة
تمر الحياة الحزبية في الاردن اليوم بمرحلة مفصلية تشبه مرحلة المخاض السياسي حيث تتقاطع التحولات التنظيمية مع التغييرات التشريعية والسياسية في مشهد يعكس اعادة تشكيل حقيقية للخارطة الحزبية والانتقال من مرحلة الشكل الى مرحلة المضمون ومن الاسم الى الدور
في هذه المرحلة نشهد دمج احزاب وتغيير مسميات اخرى وتعديل انظمة داخلية بما ينسجم مع تعليمات الهيئة المستقلة للانتخاب الى جانب احزاب تواجه قرارات شطب صادرة عن المحاكم واحزاب اخرى تنتظر قرارات المحكمة الادارية العليا في قضايا مؤثرة من بينها الفصل المحتمل لنواب حزبيين فازوا على قوائم وطنية كما تترافق هذه التحولات مع اعادة تشكيل المكاتب السياسية وانتخاب امناء عامين جدد وفق اطر ديمقراطية داخلية اكثر وضوحا وانضباطا
جميع هذه التغييرات رغم ما تحمله من صعوبة وضغط تصب في جوهرها في مصلحة الحياة الحزبية وتهدف الى تصويب المسار وتعزيز الجدية والانتقال نحو العمل المؤسسي الحقيقي لكنها في الوقت ذاته تضع الاحزاب امام اختبار حاسم اما ان تواكب التحول وتستثمر الفرصة او ان تبقى اسيرة الادوار التقليدية المحدودة
المرحلة المقبلة لا تحتمل الاحزاب العامة او الخطاب الفضفاض بل تتطلب احزابا برامجية تقدم حلولا واقعية قريبة من هموم المواطن وتعمل على بناء برامج سياسية واقتصادية واجتماعية قابلة للتطبيق وتعيد تعريف علاقتها مع الشارع على اساس الفعل لا القول
كما ان تفعيل فروع الاحزاب في المحافظات لم يعد مسالة تنظيمية ثانوية بل ضرورة سياسية تفرضها متطلبات الحضور والتواصل الحقيقي مع الناس فالحزب الذي لا يسمع للشارع ولا يتفاعل معه يفقد مبرر وجوده مهما امتلك من اوراق تنظيمية
ويبرز تمكين الشباب كاحد اهم مفاتيح استعادة الثقة حيث لم يعد مقبولا ان يبقى الشباب في اطار الرمزية او الحضور الشكلي بل يجب منحهم فرصا حقيقية في القيادة وصنع القرار داخل الاحزاب كما اراد جلالة الملك وهو ما يتطلب الاستثمار الجاد في التدريب والتاهيل وبناء القدرات السياسية والفكرية للشباب
وفي المقابل فان المرحلة تفرض ايضا اعادة النظر في نماذج القيادة الحزبية ونبذ تلك التي فرضت نفسها سابقا بقوة المال او العلاقات الضيقة والعمل على انتاج قيادات حزبية تمتلك الخبرة والمعرفة والقدرة على الخطاب السياسي المسؤول وتؤمن بالعمل الجماعي والمؤسسي
ومع اقتراب الاستحقاقات القادمة وفي مقدمتها الانتخابات البلدية يصبح لزاما على الاحزاب ان تدخل هذه المرحلة وهي اكثر تماسكا واستعدادا وان تعمل على تقوية حضورها النيابي والبلدي وان تعكس برامجها بشكل واضح في ادائها السياسي والتشريعي والرقابي حتى يشعر المواطن بان صوته يترجم الى سياسات لا الى شعارات
ان التحول الى احزاب برامجية لم يعد خيارا سياسيا بل شرطا اساسيا لاستعادة الثقة وبناء حضور حقيقي ومستدام في الشارع وبدون ذلك ستبقى الحياة الحزبية تدور في حلقة مغلقة بعيدة عن تطلعات المجتمع وطموح الدولة في تحديث سياسي حقيقي