القرالة يكتب: إعادة تشكيل المشهد الحزبي: الاندماج بين الرؤية والواقع
غيث القرالة
لم تعد الحياة الحزبية في الأردن تقاس بعدد الأحزاب المسجبة بقدر ما تقاس بقدرتها على التأثير في القرار العام وصناعة السياسات فالتعدد الحزبي حين يتحول إلى حالة من التشتت وضعف الحضور يفقد معناه الديمقراطي ويتحول إلى عبء على العملية السياسية من هنا برز الاندماج الحزبي كأحد أبرز العناوين في مرحلة التحديث السياسي التي تشهدها المملكة
الاندماج الحزبي في جوهره هو عملية سياسية وتنظيمية تهدف إلى توحيد قوى حزبية متقاربة في الرؤية والبرنامج ضمن إطار واحد أكثر قدرة على الفعل والتأثير.
وفي الأردن لا يمكن فصل هذا التوجه عن قانون الأحزاب السياسية لسنة 2022 الذي وضع معايير جديدة تتعلق بالانتشار الجغرافي والتمثيل الشبابي والنسائي في محاولة لإعادة ترتيب المشهد الحزبي على أسس أكثر جدية وفاعلية وفق ما أكدته الهيئة المستقلة للانتخاب ووزارة الشؤون السياسية والبرلمانية.
لقد كشف الواقع الحزبي الأردني خلال السنوات الماضية عن وجود عدد كبير من الأحزاب ذات البرامج المتشابهة والامتداد الشعبي المحدود ما انعكس على ضعف ثقة المواطنين بالعمل الحزبي كما أظهرت تقارير واستطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية التي أشارت مراراً إلى فجوة بين الأحزاب والشارع العام هذه الفجوة عززت القناعة بأن إصلاح الحياة السياسية لا يمكن أن يتحقق دون أحزاب قوية برامجية وقادرة على تمثيل مصالح اجتماعية حقيقية.
في هذا السياق جاء الاندماج الحزبي كخيار سياسي قبل أن يكون إجراءاً تنظيمياً ينسجم مع مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية التي شددت على ضرورة الانتقال نحو أحزاب وطنية قادرة على خوض الانتخابات البرلمانية وتشكيل كتل فاعلة داخل مجلس النواب غير أن هذا المسار رغم وجاهته النظرية لا يخلو من تحديات تتعلق بالخلافات الأيديولوجية، وصراعات القيادة والمخاوف من أن تكون بعض الاندماجات شكلية هدفها الامتثال للقانون لا إنتاج مشروع سياسي جامع.
علاوة على ذلك التجربة المقارنة تظهر أن الاندماج الحزبي لا ينجح إلا حين يكون قائماً على برنامج واضح وشراكة حقيقية ففي دول أوروبية عدة أسهم اندماج قوى سياسية متقاربة في إنتاج أحزاب قادرة على الوصول إلى الحكم أو لعب أدوار مؤثرة في البرلمانات وهو ما يؤكد أن الاندماج ليس هدفاً بحد ذاته بل وسيلة لبناء قوة سياسية منظمة وذات رؤية غير أن إسقاط هذه التجارب على الحالة الأردنية يتطلب مراعاة الخصوصية الاجتماعية والسياسية وعدم الاكتفاء باستنساخ النماذج الخارجية.
مجمل القول،،، إن الاندماج الحزبي في الأردن يشكل فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي شريطة أن يكون اندماجاً قائماً على القناعة لا الإكراه وعلى المشروع السياسي لا المصالح الشخصية فالأحزاب القادرة على كسب ثقة الشارع والمشاركة في صنع القرار هي وحدها التي يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في مسار التحديث السياسي وتفتح أفقاً جديدة لحياة ديمقراطية أكثر نضجاً واستقراراً.