المنسي يكتب: لماذا تهاجم المؤسسة التشريعية؟

 

جهاد المنسي


لم يكن مجلس النواب العشرون عاديًا في سياق الحياة البرلمانية الأردنية، بل جاء بوصفه نتاج مرحلة سياسية مختلفة، رُفعت فيها شعارات التحديث السياسي، وتقدمت فيها التجربة الحزبية خطوة للأمام، ولو بشكل تدريجي ومحسوب، ومع ذلك، ظهر هذا المجلس، منذ لحظاته الأولى، محاطًا بمناخ نقدي قاسٍ، تجاوز في كثير من الأحيان حدود تقييم المشروع إلى ما يشبه الهجوم المستمر على المؤسسة التشريعية نفسها، لا على أدائها فقط.
 

بداية وحتى نناقش الأمر بعقل بارد وجب القول إن الطموح كان كبيرا، ومجلس النواب العشرين لم يقدّم أداءً مثاليًا أو لبّى جميع التطلعات السياسية والشعبية، فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها أن أداء المجلس، في محطات عديدة، جاء أقل من الطموح، سواء على مستوى التشريع، أو في تفعيل الأدوات الرقابية، أو في إدارة النقاش العام حول قضايا تمس حياة المواطنين، وهذا توصيف واقعي لا ينطلق من خصومة مع المجلس، ولا يسعى إلى تبرير التقصير، بل يضع الأمور في إطارها الصحيح، وبشكل واقعي.
بيد أن الإقرار بأن الأداء كان دون المأمول لا يقود، منطقيًا ولا دستوريًا، إلى القفز نحو المطالبة بحل مجلس النواب، أو التشكيك بوجوده من الأساس، أو تصويره بوصفه عبئًا زائدًا يمكن الاستغناء عنه، هنا يجب التمييز بوضوح بين نقد الأداء، وهو حق مشروع بل وضرورة سياسية، وبين هدم المؤسسة، وهو مسار يحمل مخاطر تتجاوز المجلس إلى فكرة التمثيل نفسها.
فمجلس النواب ليس كيانًا طارئًا يمكن شطبه عند أول تعثر، ولا تجربة مؤقتة يُعلن فشلها لأن نتائجها لم ترضِ المزاج العام، هو مؤسسة دستورية تمثل الشعب، وتشكل إحدى ركائز التوازن السياسي، وأي خلل في أدائها يفترض أن يُعالج بأدوات سياسية ودستورية: مساءلة حقيقية، ضغط رأي عام واعٍ، نقد إعلامي مهني، وتطوير في القوانين الناظمة للعمل النيابي، أما تحويل الإحباط الشعبي لدعوة دائمة للهدم، فلا يخدم الإصلاح، بل يضعف المجال العام ويعمّق فجوة الثقة.
اللافت أن الهجوم يتركز غالبًا على المؤسسات المنتخبة تحديدًا، كمجلس النواب والبلديات واللامركزية، او مؤسسات المجتمع المدني كالنقابات والأحزاب والجمعيات، في حين لا تُطرح الأسئلة ذاتها بالحدة نفسها حول أداء مؤسسات أخرى في الدولة، بعضها أكثر تأثيرًا في حياة المواطنين اليومية، وأقل خضوعًا للمساءلة الشعبية، فهذا الخلل في بوصلة النقد يثير تساؤلًا مشروعًا حول سبب اختيار البرلمان بشقيه ليكون دائمًا الهدف الأسهل في النقاش العام.
الحقيقة الثابتة انه لا يمكن فصل هذا المشهد عن دور الإعلام والفضاء الرقمي، حيث يجري في كثير من الأحيان اختزال العمل النيابي في مشاهد عابرة أو تصريحات مجتزأة، تتحول سريعًا إلى مادة للسخرية والتعميم، وهنا المشكلة لا تكمن في كشف الأخطاء أو تجاهلها، بل في تقديمها بوصفها الصورة الكاملة للمجلس، مقابل غياب المتابعة الجادة لما يُناقش ويُقر ويُعطَّل داخل القبة.
إن استخدام أداء مجلس النواب العشرين لتكريس خطاب يقول إن السياسة بلا جدوى، أو إن التمثيل الشعبي فاشل بطبيعته، لا يخدم مشروع التحديث السياسي، بل يعيد إنتاج منطق الوصاية، ويفرغ الإصلاح من مضمونه قبل أن يكتمل، فالديمقراطية لا تُقاس بدورة واحدة، ولا تنضج بلا أخطاء.
وأيضا وجب القول إن الدفاع عن مجلس النواب لا يعني الدفاع عن أخطائه، بل الدفاع عن حق المجتمع في مؤسسة تمثيلية تُنتقد وتُحاسَب وتُصلَّح، لا أن تُلغى معنويًا مع كل موجة غضب، فالدول لا تبني استقرارها بإضعاف مؤسساتها المنتخبة، بل بتقويتها وتصويب مسارها، حتى حين تخفق، وربما خصوصًا حين تخفق.