العثامنة يكتب: عقل الدولة في زمن السيولة الإقليمية

 

مالك العثامنة


في تحولات الزمن الذي نعيشه، لم يعد الحديث عن الأمن مقتصرا على الجغرافيا والحدود، بل امتد إلى التكنولوجيا بوصفها عنصرا حاسما في موازين القوة، الدول التي تدرك هذا التحول تستثمر في المعرفة قبل السلاح، وفي العقول قبل العتاد، فامتلاك أدوات متقدمة لم يعد ترفا، بل ضرورة لحماية القرار السيادي، وهذا التحول لا يقاس بما يُعلن عنه، بل بقدرته على خلق توازن ردع هادئ لا يحتاج إلى استعراض.
 

وفي بيئة إقليمية مضطربة، تتقدم الحسابات العملية على الخطاب، وتدار السياسة باعتبارها إدارة مخاطر قبل أن تكون إدارة مواقف، حين تختل معادلة الصدق في العلاقات، يصبح ضبط المسافة خيارا عقلانيا، لا تعبيرا عن ضعف ولا انكفاء، بل حفاظا على الموقف من الاستهلاك.
في كل هذا السياق المضطرب، يظهر أن الأردن يتعامل مع الملفات الإقليمية ببراغماتية محسوبة، ليس فيها قطيعة ولا يحركها اندفاع، بل تنسيق هادئ مع شركاء يعرفون وزن الكلمة وحدودها، فحين تفقد السياسة معناها الأخلاقي تصبح المقاطعة رسالة، وحين يتحول الحوار إلى استهلاك للوقت يصبح الامتناع عنه جزءا من حماية الموقف، هذه ليست لغة تحدي، بل لغة دولة تختار معاركها بدقة.
في ملف غزة، تبدو المقاربة الأردنية واعية لتعقيدات اللحظة، الانخراط في بعض الأطر لم يكن خيارا مثاليا، بل لم يكن هناك ترف الاختيار، لكنه تحوّل – بالضرورة- إلى مساحة للمناورة، حيث التفاصيل تصنع الفارق، من ناحية تقليص الكلفة، وتحييد الأخطار، والبحث عن صيغ فنية محدودة تُبقي الدعم في إطاره الأخلاقي دون الانزلاق إلى أدوار مباشرة مكلفة، وهنا لا يوجد شعارات، بل إدارة بالغة الدقة لمسار شديد الحساسية.
أمنيا، لا يمكن إخفاء القلق من اتساع رقعة التوتر الإقليمي، لكن القلق لا يجب أن يتحول إلى هلع، فالثقة بالقوات المسلحة واضحة، والمعرفة العميقة بالجغرافيا على الأرض عنصر قوة لا يُقال للتباهي والاستعراض، بل للطمأنة والدراسة الممنهجة لكل السيناريوهات، والرسالة هنا أن الاستعداد قائم، وأن الدولة تعرف أين تقف، وكيف تحمي حدودها دون استعراض.
وفي الداخل المحلي المتشابك بالضرورة مع كل ما هو في المحيط الإقليمي، يبرز ملف الإخوان المسلمين بوصفه اختبارا لضبط الإيقاع، لا لاستعراض القوة، وما يعرفه الرأي العام لا يمثل سوى جزء محدود من الصورة الكاملة التي تتحفظ عليها السلطات لضبط إدارة الملف بأكثر ما يمكن من هدوء، فاختارت الدولة سياسة الأعصاب الباردة، إدراكا أن إدارة هذا الملف تتطلب صبرا وحسابا دقيقا للتوقيت، فالمواجهة غير المحسوبة قد تخدم الخصم أكثر مما تحمي الاستقرار.
وفي موازاة ذلك، تتقاطع هذه التحديات مع سؤال التحديث، الدولة التي تسابق الزمن لا يمكن أن تدار بعقلية الأمس، ولا أن تثقلها طبقات إدارية تخشى التغيير، دون اتهام مباشر، وهناك تلميح واضح أن الجمود لم يعد مقبولا، وأن الكلفة الحقيقية أصبحت في مقاومة الإصلاح لا في السير به، في المقابل، الثقة بالحكومة واضحة في ما يتعلق بالمشاريع الكبرى، لا كعناوين سياسية بل كمسارات إلزامية للاقتصاد الوطني.
اقتصاديا، يتبدل المشهد بهدوء، القلق التقليدي من التمويل لم يعد هاجسا ثابتا، فالعالم لم يعد محصورا باتجاه واحد، والانفتاح على شرق آسيا يفتح خيارات بديلة لمن يعرف كيف يعيد تموضعه، والرسالة بسيطة وموجزة بحسم: من يتأخر في الفرصة الاستثمارية يتم استبداله، ومن يتردد يخسر فرصته.
وفي المحصلة، الأردن يتحرك اليوم بعقل بارد، وحرارة محسوبة، دولة لا تراهن على الوقت، ولا تنجر إلى الضجيج، وتدير لحظتها السياسية بوعي أن المرحلة لا تحتمل ارتباكا.