الكشكي يكتب: الصمت لم يعد ممكنا

 

جمال الكشكي

نحن أمام لحظة عالمية مضغوطة، تتقاطع فيها أميركا وإيران عند خط واحد، خط الانفجار المؤجل، حيث تجري مفاوضات برعاية عُمانية في مسقط بوصفها أداة لإدارة الزمن، وتفكيك مسارات التصعيد، محاولة لاحتواء سلسلة تفاعلات، إذا اكتملت ستفتح الأبواب على مواجهة إقليمية واسعة، قابلة للتحول إلى حرب عالمية ثالثة.
 

واشنطن تواجه أزمة تمددت خارج قدرتها على الضبط، أزمة تتشابك فيها أوكرانيا والبحر الأحمر حيث الحوثيون، وغزة، وتايوان، وطهران تسعى إلى تثبيت معادلة ردع، تفرض الاعتراف بدورها الإقليمي، وتمنع تحويلها إلى ساحة مستباحة.
هذه المفاوضات تتحرك داخل مشهد أكبر لانهيار منظومة الهيمنة الغربية من الداخل، انهيار يتجلى بوضوح مع انفجار قضية إبستين الكاشفة  لبنية الحكم العميقة والخفية في الغرب الأميركي، من خلال وجود شبكة نفوذ وابتزاز وصمت متبادل، داخل النخب السياسية والمالية والإعلامية، بنية أدارت العالم لعقود عبر الظلال، وصناعة الحصانات، وتكريس منطق سلام القوة، سلام يقوم على الخوف واحتكار العنف وإدارة الأزمات بدلا من حلها، سلام يشتري الوقت، ويؤجل المواجهة حتى تتراكم الشقوق في قلب النظام نفسه.
هذا المنطق ذاته يحكم إدارة أزمات الشرق الأوسط، حيث تتحول الحروب المحدودة إلى رسائل تفاوض، والدم إلى أداة ضبط، والتصعيد إلى وسيلة اختبار، في مشهد تتقدم فيه إسرائيل كتاجر يستثمر الفوضى، ويوسع هامش العنف، ويختبر حدود الرد، مستندة إلى مظلة أميركية، تدرك حجم المخاطر، وتراهن على إمكانية التحكم بها طالما بقي الثمن بعيدا عن مركزها الداخلي.
اللحظة الأخطر تكمن في استمرار إقصاء المنطقة عن تقرير مصيرها، وكأن دول الإقليم العربي مجرد هوامش أمنية، وساحات امتصاص للصدمات، بينما الواقع يؤكد أن هذا الإقصاء هو الوقود الحقيقي للحرب المقبلة، فأمن الإقليم لا يبنى على الاختطاف الدائم، ولا على تحويل إسرائيل إلى قوة فوق القانون، ولا على تعطيل إرادة الدول والشعوب تحت غطاء التوازنات الكبرى.
من هنا تصبح مفاوضات مسقط اختبارا مركبا، اختبارا لقدرة أميركا وإيران على كبح منطق الانفلات، واختبارا أشد عمقا لقدرة أصحاب المنطقة على فرض حضورهم، إعلان أنهم طرف فاعل في صناعة القرار، إعلان أن الإقليم ليس رهينة، ولا ساحة تصفية حسابات، وأن سلام القوة يحمل داخله بذور انهياره، وأن العالم الذي يدار بالابتزاز، كما كشفت قضية إبستين، لا ينتج استقرارا، وإنما يؤجل السقوط حتى يصبح شاملا، ممتدا، بلا مركز قادر على السيطرة، ولا أطراف قادرة على الاحتمال.