جدل حول عقوبات أميركية محتملة على الجزائر بسبب صفقات السلاح الروسي

احتج حزب من "الغالبية الرئاسية" في الجزائر على ما وصفه بـ"الترويج لأخبار زائفة" نشرتها وسائل إعلام أجنبية، تناولت فرض عقوبات أميركية محتملة على الجزائر بسبب "كثافة مشترياتها" من السلاح الروسي. جاء تداول هذه القضية في سياق جلسة لمجلس الشيوخ الأميركي خصصت لمناقشة جهود مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا.

أكد عبد القادر بن قرينة، رئيس حزب "حركة البناء الوطني"، الذي يتبنى سياسات السلطة بالكامل، في بيان يوم السبت، أنه أجرى بنفسه "تدقيقاً" في فيديو يجري تداوله منذ الأحد الماضي، يخص جلسة استماع لرئيس مكتب شؤون الشرق الأوسط في وزارة الخارجية الأميركية، روبرت بالادينو، في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. لوح فيه باحتمال إنزال عقوبات ضد الجزائر بسبب شرائها مقاتلات حربية روسية عام 2025. عقد هذا الاجتماع مطلع الشهر الحالي.

وأوضح بن قرينة أنه بعد متابعة مضمون الفيديو، تبيّن له أن بالادينو "لم يشر في أي جزء من حديثه إلى توجيه اتهامات مباشرة أو التلويح بفرض عقوبات اقتصادية على الجزائر، خلافاً لما تناقلته بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي". بل على العكس من ذلك، أكد المسؤول الأميركي أن الشراكة بين الولايات المتحدة والجزائر قوية ومتينة، مشيراً إلى أن بلاده "تعمل بشكل وثيق مع الحكومة الجزائرية في عدة قضايا، مع الإقرار بأن بوجود تباينات في بعض الملفات أمر طبيعي في إطار العلاقات الثنائية".

توترات مع الجوار والشركاء

ندد بن قرينة، وهو وزير سابق، بـ"المؤامرات الخارجية التي تسعى للنيل من صورة الجزائر"، في إشارة إلى تصريحات رسمية تؤكد أن البلاد "تتعرض لتهديدات ومخططات أجنبية بسبب مواقفها من القضايا العادلة في العالم"، من دون تحديد الجهات المتهمة. في وقت يُشير فيه مراقبون إلى أن علاقات الجزائر شهدت توتراً ملحوظاً مع جيرانها وشركائها في حوض البحر المتوسط خلال السنوات الأخيرة، لا سيما مع دول الساحل والمغرب وفرنسا.

تناقلت عدة وسائل إعلام، من بينها صحيفة "لوجورنال دو ديمانش" الفرنسية، أخباراً تزعم أن واشنطن "هددت" بفرض "عقوبات" على الجزائر على خلفية اقتناء مقاتلات روسية. من جهته، نشر موقع قناة "روسيا اليوم"، التي تتبع الحكومة الروسية، الأربعاء الماضي، أن سؤالاً طُرح على روبرت بالادينو خلال الاجتماع حول "احتمال فرض قيود على الجزائر بسبب شرائها طائرات مقاتلة روسية". فرد قائلاً: "اطلعنا على التقارير الإعلامية المتعلقة بذلك، وهي تثير القلق".

وفق الموقع الإخباري نفسه، فإن بالادينو شدد على أن واشنطن "ملتزمة بتطبيق قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات"، مبرزاً أن "صفقات من هذا النوع قد تؤدي إلى اتخاذ مثل هذا القرار". مؤكداً أن بلاده "ستتابع الأمر من كثب"، كما أعرب عن استعداده لبحث هذه المسألة "بمزيد من التفصيل مع أعضاء مجلس الشيوخ في جلسة مغلقة، بعيداً عن وسائل الإعلام".

ضغط دبلوماسي بديل لعقوبات مفترضة

أوردت وكالة "تاس" الروسية تأكيد بالادينو أن الولايات المتحدة "تحافظ على حوار مع السلطات الجزائرية في الملفات التي تشهد توافقاً"، مع اعترافه بوجود "خلافات مستمرة" حسب الوكالة الإخبارية. عاداً أن شراء الأسلحة الروسية يشكل "نموذجاً للحالات الإشكالية" من وجهة نظر أميركية. وأدلى بهذا التصريح رداً على سؤال حول "الخطوات التي قد تتخذها واشنطن لثني الجزائر عن تعزيز تعاونها العسكري مع روسيا".

كما قال إن الحكومة الأميركية "تستخدم أدوات الضغط الدبلوماسي المتاحة لديها، وغالباً ما يتم ذلك بعيداً عن الأضواء، لحماية مصالحنا، ووضع حد لما نعدّه تصرفات غير مقبولة". حول هذا الموقف الذي يبدو مثيراً، كتب الصحافي الجزائري عدلان مدي، المتابع للشأن السياسي: "بعد مراجعة التسجيل الكامل لجلسة الاستماع، تبين أن هذه المزاعم (التلويح بالعقوبات) غير دقيقة، وتندرج ضمن ما يعرف بالأخبار الزائفة".

لافتاً إلى أن المسؤول الأميركي "اعتمد لغة دبلوماسية متزنة، خالية من أي تهديد بالعقوبات، أو الإشارة إلى قانون كاتسا (قانون مكافحة خصوم أميركا). حيث قال: "نحن نعمل من كثب مع الحكومة الجزائرية في القضايا، التي نجد فيها أرضية مشتركة".

تهديدات قديمة

يعود التلويح بالعقوبات ضد الجزائر بسبب تقاربها العسكري مع موسكو إلى عام 2022. ففي سبتمبر من ذلك العام، راسل عدد من البرلمانيين الأميركيين، بقيادة عضو الكونغرس الجمهوري ليزا ماكلين، وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن، معربين عن "مخاوفهم" بشأن ما وصفوه بـ"تنامي العلاقات الوثيقة بين الجزائر وروسيا". تناولت الرسالة تقارير ذكرت أن الجزائر وقّعت في 2021 صفقات أسلحة مع روسيا، قيمتها أكثر من 7 مليارات دولار، وأن من بينها بيع روسيا للجزائر طائرات مقاتلة متطورة من طراز "سوخوي Su-57"، التي لم تبعها روسيا لأية دولة أخرى.

ذكر أصحاب الرسالة أن "الصفقات تجعل الجزائر ثالث أكبر متلقٍ للأسلحة من روسيا، وموسكو أكبر مورد للأسلحة للجزائر". ودعوا إلى "تفعيل قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات، الذي أقره الكونغرس في عام 2017". ولما سأل صحافيون جزائريون سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى بلادهم، إليزابيث مورأوبين، حول مدى استعداد الحكومة الأميركية الأخذ بمطلب البرلمانيين، قالت إن "جزءاً من مهامي هو شرح القانون الأميركي للمسؤولين الجزائريين، وهم أحرار في اتخاذ القرارات السيادية التي تخص بلادهم".

في النهاية لم تسفر الرسالة عن أي تبعات فعلية على الأرض، كما لم يصدر أي رد من السلطات الجزائرية.